مقتطفات من رواية موتٌ صغير

كتابة: Reem Muhammed آخر تحديث: 12 أبريل 2021 , 14:43

مقتطفات من رواية موتٌ صغير

في غلاف الرواية يقول الكاتب “منذ أوجدني الله في مرسيّة حتى توفاني في دمشق وأنا في سفرٍ لا ينقطع، رأيت بلادًا ولقيت أناسًا وصحبت أولياء وعشت تحت حكم الموحدين والأيوبيين والعباسيين والسلاجقة في طريقٍ قدّره الله لي قبل خلقي، من يولد في مدينة محاصرة تولد معه رغبة جامحة في الانطلاق خارج الأسوار، المؤمن في سفرٍ دائم، والوجود كله سفرٌ في سفر، من ترك السفر سكن، ومن سكن عاد إلى العدم.”

عند تناولنا مقتطفات من رواية موتٌ صغير نجد أن الكاتب يتحدث عن سيرة الصوفي الشهير محي الدين بن عربي، حيث يتناول قصته بعيدًا عن تعقيدات حياته وغلوه في التصوف وقضايا إسقاط التكاليف الشرعية وخزعبلاته، فهو يتناوله من جانب إنساني فقط، وتحسب للكاتب خروجه عن المألوف بعض الشيء وتناول الجانب الروائي فقط لشخصية تاريخية ومشهورة، وهذا أجلّهُ وأقدره في النص، فالرواية لا تتحدث عن سيرة ابن عربي وفق مراحل حياته التاريخية الحقيقة بزمناتها المتعارف عليها وأحداثها في ذلك التاريخ، بينما في جلها هي سيرة مخترعة بها بعض الأصالة والكثير من التجديد وفق تسلسل زمني رجع فيه الروائي لشيء من سيرته ليصور بها قصة حب وعشق لابن عربي الإنسان بينه وبين محبوبته نظام.

ولقد عرض الكاتب في كتابه أولا حياة ابن عربي وكيف أنه اختار طريق غير الطريق الذي اختاره له والده، فكما يقول: الله هو الذي اختاره ليمضي إلى طريقه، ففي بداية بحثه عن الله كان ابن عربي في بيت فريدريك وكان معه صديقه الحريري ودار هذا الحوار : ألن تشرب؟ قال: أخاف، سأله: مم تخاف؟ قال: أن يقبضني الله وأنا على معصية، فقال له لكنك لست على معصية، فتعجب قائلًا: كيف هذا أليست الخمر محرمة؟ قال: بلى، ولكنك مؤمن، وإيمانك متصل ومعصيتك متقطعة، فإن قبضك الله سيقبضك على الإيمان فتكون خاتمتك حسنة.

موتٌ صغير الرواية التي يمكن أن نقول عليها سيرة للشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي، ولكن هل فقط فكرة الرواية تعتمد على سرد المعروف من حياة بن عربي؟ بالتأكيد لا وهنا التفرد حيث قرر علوان الدخول في عش الدبابير وكشف كل ما عايشه الشيخ الأكبر في حياته حتى لو كان هناك أمور يخجل من ذكرها المتصوفة ولكن طالما حدثت بالفعل فلا بد من كشفها للقاريء، كي نكتشف في تلك الرواية أن بن عربي شخص عادي يخطيء ويصيب، يرتكب الآثام ويقع في المحظور، يسقط في الحب مرارًا وتكرارًا، شخص عانى من لوعاته كثيرًا، وربما كل ذلك ساهم في خروج بن عربي لنا بالشكل المتعارف عليه حاليًا.

السرد في رواية موتٌ صغير

يحكي ابن عربي في رواية موت صغير بضمير المتكلم سيرته من قبيل ولادته بساعاتٍ وحتى ارتجاج جسده فوق أكتاف المشيعين إلى القبر، واتخذ الكاتب حبكة تسير وفق مسارين، الأول متخيلًا تاريخ انتقال مخطوطة سيرة حياة ابن عربي في مراحل مختلفة من تاريخ الأمة الإسلامية بدايةً من أذربيجان عام 1212 ونهايةً إلى لبنان عام 2012، والمسار الثاني والذي احتل القسم الأكبر من الرواية هو سيرة ابن عربي وما بين الولادة والوفاة أحداث وشخصيات وحواضر ومدن، وبذكاء استند الكاتب على رواج هذا النوع من السرد الروائي في هذا الوقت من الزمان، حتى ينقل لنا سيرة الشيخ الأكبر التي حوت الكثير من الزلات والمتاعب، نازعًا الهالة الأسطورية عنها ومشيرًا إلى الوجه القاسي من الصوفية.

يبدأ الكاتب بطريقة خيالية مفاجأة حينما كان ابن عربي يسرد حالة ولادته بطريقة مشهدية دقيقة، فبدأ بوضع أول الشخصيات على الطريق، فاطمة بنت المثنى مولدته ومرضعته التي لها الأثر في الجذبة الأولى إلى الوله الإلهي حينما أخبرته بأوتاده الأربعة الذين سيثبتون فؤاده حيث قالت له: طهر قلبك عندها يجدك وتدك، وشخصيات أخرى كابن رشد الفيلسوف الشهير والشيخ أبو مدين الغوث والنظام بنت زاهر التي هام بها حبًا والتي كانت سببًا في أن فتح الله له تأليف كتابه الأشهر الفتوحات المكية والتي أراد أن يتزوجها لو لا اكتشافه لاحقًا بأنها كانت وتده الثالث والتي تُحظر عليه، وأخيرًا شمس الدين التبريزي الذي التقاه ابن عربي عندما اكتمل قلبه طهرًا وامتلأ بالحب فكان وتده الرابع والأخير.

من الأمور المميزة أيضًا في الرواية هو عدم الاعتماد الكلي على سيرة ابن عربي ولكن تطرق الكاتب أيضًا إلى أحوال البلدان المختلفة التي زارها بن عربي بحثًا عن أوتاده الأربعة وكيفية تفاعله معها لنجد أنه ليس فقط مجرد شخصًا يُعتمد عليه في أمور العيش والوله ولكن يُعتمد عليه أيضًا في أمور السياسة والثورة، وأيضًا هناك المخطوط الحائر الذي ظل طيلة صفحات الرواية ينتقل من يدٍ لأخرى من أجل المحافظة على سيرة الشيخ الأكبر، وربما ذلك المخطوط هو من زود ثقل تلك الرواية ولم يجعلها مجرد سرد جاف لحياة بن عربي.

في تلك الرواية ابتعد محمد حسن علوان عن التيمة المتبعة في رواياته السابقة، وهي العلاقة بين الرجل والأنثى العاطفية دون غيرها، من خسارات وانكسارات، ومفاجأت وهزائم،و شروخ القلب ومآسيه، حيث هنا سلخ علوان جلده تمامًا وبدأ مسيرة جديدة في حياته ككاتب، رواية موت صغير عمل يخبرنا بأن الحب كان أشق الفنون تعلمًا.

اقتباسات من رواية موتٌ صغير

  • إن لرضا الله عليك شعورًا لا يمكن أن يوصف، دثار دافئ يحيط بقلبك في ليلة برد، أو وميض من الضوء يسافر في عروقك، أو ملاكٌ من ملائكته يتسلل إلى روحك و يحضنها مثل صديق قديم.
  • هل يعلمون أن الحياة في سبيل الله أشق وأصعب من الموت في سبيله؟
  • كل شيء يمرّ به الإنسان في حياته لا بد منه، كل شأن هو ضرورة، كل حدث هو حاجة ملحة، كل أمر نمر به من فرح أو حزن، من سلم أو حرب، من حب أو كره، هو نفسٌ من أنفاسنا لو لم نمرّ به لاختنقنا وعدنا إلى العدم.
  • لأن الأحلام يا أخي إذا تأخرت في صدرك تفسد، وإذا باتت في نفسك سنة بعد سنة تشوبها الشوائب وتتراكم فوقها أتربة من الأنانية والحسد والملل واليأس، رضا الله يخلقك مرةً أخرى بقلبٍ جديد وأحلامٍ نظيفة.
  • تعرّفت رفيقًا ذميمًا اسمه القلق لم اسأله مرافقتي ولم يستأذني في ذلك قفز فوق كتفيّ مثل قردٍ مجنون ولم يفارقني بعدها قط، كلما طردته من كتف قفز إلى الآخر، وكلما طردته منهما معًا تعلّق بجذع شجرة بعض الوقت ثم لا يلبث أن ينقضّ على رقبتي مرةً أخرى، لم يتركني أهجع ليلةً حتى يجعل صباحها قاتمًا مثل قرارة بئر، ولم أتنفس طمأنينة الصباح حتى يجعل الغروب يأتي مثل وحشٍ سيتغذى عليّ طيلة الليل، ضاقت في عيني الدنيا حتى لم أعد أرى شيئًا في حجمه الحقيقي، كل شر يبدو هائلًا ومخيفًا وكل خير يبدو طارئًا وضئيلًا، أرتجف في هدأة الليل أحيانًا من فرط القلق مثل محمومٍ بدون حمّى، ويأتي الصباح وقد أنهكني التعب وكأن عينيّ لم تغمضا طيلة الليل، صغرت في عينيّ كل شؤون الحياة حتى صار ينقضي يومٌ بأكمله لا أقوم فيه بشيء إلا صلواتي، أسابيع تليها أسابيع والقلق هو محرك كل ساكن ومسكِّن كل متحرك في حياتي التي أضحت قاتمةً وشائكة، أهمّ بالشيء فأقلق منه فأتركه، وأكون بلا شغل فأقلق فأهمّ بأشياء أخرى.
  • قال لي أحد المعزين: آخر الأحزان ياسيدنا، لكن ما أسخف هذه العبارة، لا هي أمنية فتتحقق ولا دعاء فيستجاب. وكلما رددها أحدهم سمعها الناس هكذا: آخر الأحزان وسمعتها أنا هكذا: أتمنى لك الموت عاجلًا قبل أن يصيبك الحزن التالي، من نحن بلا أحزان؟ كيف نأمن على أنفسنا بدونها ألا نتيه في أودية الغفلة مثل شياهٍ ضالة؟[1]

نبذة عن كاتب رواية موتٌ صغير

محمد حسن علوان هو روائي سعودي ولد في مدينة الرياض في تاريخ 27 أغسطس لعام 1979م، ويحمل شهادة الدكتوراة في التسويق وإدارة الأعمال الدولية من جامعة كارلتون الكندية، والماجستير في إدارة الأعمال من جامعة بورتلند في الولايات المتحدة الأمريكية، وبكالوريوس نظم المعلومات من جامعة الملك سعود بالرياض، وصدرت له ست روايات:

  • سقف الكفاية (2002)
  • صوفيا (2004)
  • طوق الطهارة (2007)
  • القندس (2011)
  • موتٌ صغير (2016)
  • جرما الترجمان (2020)
  • كتاب نظري بعنوان: الرحيل: نظرياته والعوامل المؤثرة فيه (2014).

وفي عام 2010، تم اختياره ضمن أفضل 39 كاتب عربي تحت سن الأربعين، وأدرج اسمه في أنطولوجيا، وفي عام 2013 رشحت روايته (القندس) ضمن القائمة القصيرة في الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية) وفي عام 2015 حصلت النسخة الفرنسية من رواية (القندس) على جائزة معهد العالم العربي في باريس كأفضل رواية عربية مترجمة للفرنسية، وفي عام 2017 حصلت روايته (موتٌ صغير) على الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، وفي عام 2019 حصلت النسخة الإيطالية من روايته (موتٌ صغير) على جائزة الشارقة للترجمة (ترجمان) كأفضل رواية عربية مترجمة للإيطالية.[2]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق