محتويات
التعايش بين الأديان في الإسلام
يقوم مفهوم التعايش بين الأديان على مبدأ التعاون والتفاهم الاجتماعي بين بعضهم البعض، وليس المقصود منه التقارب أو وحدة الأديان ومثل هذه الأمور التي تعتبر ردة واضحة، لأن ديانات أهل الكتاب هي ديانات محرفة عما جاء به موسى وعيسى، ولقد جاء الإسلام ليصحح مثل هذه الأمور المحرفة، ولكن من أراد فليؤمن ومن أراد فليكفر، أي أن الدين الإسلامي لا يجبر أحد على اعتناقه، ومن يقم بإجبار الناس على ذلك فهو ينقض ويخالف تعاليم الدين الإسلامي، لكن جاء مبدأ التعايش بين الأديان في الإسلام كأحد الأمور المهمة التي يجب على المسلمين اتباعها، فمنذ جاء عهد الإسلام والمسلمين يتعايشون مع الكفار من أهل الكتاب أو حتى عبدة الأصنام، وما داموا لن يقبلوا على آذيتهم فهم يعيشون في سلام، لكن هذا لم يحدث فلقد قام كفار قريش بمهاجمة نبي الله محمد ومحاربة الدين الإسلامي، لذلك لم يكن هناك مفر من نيل الحرية سواء بالحرب التي أشعلها الكفار بآذيتهم.
إن التعايش بين الأديان هو من الأمور التي تضمن أن يعيش الناس في مجتمعاتهم بسلام، لأن هناك الكثير من الدول التي تحتوي على أعداد كبيرة من الديانات المختلفة، وألا يكون هناك تعايش وتضامن ثقافي وحضاري واجتماعي بين هذه الديانات يعني اندثار أهلها كما حدث في العراق التي تعتبر هي أكبر موضع يحتوي على العديد من الديانات والمذاهب المختلفة، ولقد أباح الإسلام لنا أن نأكل من طعامهم وأن نتزوج من نسائهم، ودعانا إلى أن نحسن إلى جيراننا، مما يدل على مدى اهتمام الإسلام بصغائر الأمور التي تحث المسلمين على التعايش مع باقي الديانات حتى نعيش في سلام، ولكن حثنا ديننا أيضًا أن ندعوهم إلى الإسلام حتى لا يكون لهم حجةٌ يوم القيامة أمام الله، لذلك نحن مأمورين بدعوتهم وهم مخيرون في إيمانهم، لذلك يجب على المسلمين أن يتعايشوا مع أصحاب الديانات الأخرى ما داموا في وقت السلم ولم يروا منهم سوءً. [1] [2]
آيات قرآنية حول التعايش بين الأديان
- قال الله تعالى في كتابه الكريم: “وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ” من سورة يونس.
يقول الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أن إن أراد أن يؤمن له جميع من في الأرض لآمنوا، لكن هنا تأتي حكمة الله سبحانه وتعالى في اختلاف الناس بين عقائدهم وانتماءاتهم الدينية، حتى أن أبناء الدين الواحد لديهم مذاهب مختلفة، ويجب عدم إكراه أو إجبار أي أحد منهم على الإيمان بالله تعالى لأنه لو أراد ذلك لفعل.
- قال الله تعالى في كتابه الكريم: “لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ” من سورة الممتحنة.
يدعونا الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة نحن المسلمين إلى ضرورة البر والتعامل بالقسط مع غير المسلمين الذين لم يحاولوا قتل المسلمين، وبالأخص في وقت السلم، وأن الله يحب من يفعل ذلك.
- قال الله تعالى في كتابه الكريم: “وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ” من سورة العنكبوت.
يدعونا الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة إلى أن ندعو غير المسلمين من أصحاب الديانات السماوية بالتي هي أحسن وخاصةً في الجدل العقائدي، ويحثنا إلى التعامل معهم بإحسان.
- قال الله تعالى في كتابه الكريم: “قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ” سورة البقرة.
يحثنا الله في هذه الآية الكريمة إلى ضرورة الإيمان برسل الله السابقين عن سيدنا محمد والمقصود موسى وعيسى، يخبرنا بضرورة احترام ما أنزل عليهم من نصوص مقدسة.
أعلن الإسلام في مكنون آياته أن الناس جميعاً قد خُلقوا من نفسٍ واحدة، مما يعني أنهم مشتركون في وحدة الأصل الإنساني، حيث قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)
حديث نبوي عن التعايش بين الأديان
يحثنا الدين الإسلامي بعدم المساس بمعاهد أو ذمي لما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من قتل مُعاهَدًا لم يَرَحْ رائحةَ الجنَّةِ، وإنَّ ريحَها توجدُ من مسيرةِ أربعين عامًا) بالتالي فإن رسولنا الكريم قد كفل لهم أمنهم فمن نحن لننقض بهذا الاتفاق لكي نجزى بهذا العقاب الشرعي.
ولقد قال رسولنا صلى الله عليه وسلم عن ظلم المعاهد أو الذمي وهو الشخص الذي يعيش في ظل أمان المسلمين: (ألا مَنْ ظلم معاهدًا، أو انتقصه، أو كلَّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس؛ فأنا حجيجه – أي: أنا الذي أخاصمه وأحاجُّه – يوم القيامة) رواه أبو داود، بل إنه قد وردت أحد المواقف عن السنة النبوية أنه قد استوى أمام القاضي في الحكم والقضاء المسلم وغيره؛ فعن عن الأشعث قال: كان بيني وبين رجل من اليهود أرضٌ، فجحدني؛ فقدمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم: (ألكَ بيِّنة؟)، قلتُ: لا، قال لليهودي: (احلفْ)، قلتُ: يا رسول الله، إذًا يحلف ويذهب بمالي! فأنزل الله: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا) [1]
حكم التعايش بين الأديان
إن التعايش بين الأديان الأخرى هو أحد الأمور التي أوصى بها رسولنا الكريم كما جاء في الأحاديث السابقة، فمن الواجب علينا أن نعاملهم بالقسط كما نعامل غيرنا من المسلمين، وهذا حقهم علينا، ويقول الدكتور شعبان محمد إسماعيل، أستاذ أصول الفقه بجامعة الأزهر: (من سماحة الإسلام أنه أقر التعايش مع الآخر، فحينما هاجر النبي، صلى الله عليه وسلم، إلى المدينة المنورة كان أول ما فعله بعد بناء المسجد والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وضع صحيفة المعاهدة مع اليهود الذين كانوا يسكنون المدينة، وهذه الصحيفة تدل بوضوح وجلاء على عبقرية الرسول، صلى الله عليه وسلم، في صياغة موادها وتحديد علاقات الأطراف بعضها ببعض، فقد كانت موادها مترابطة وشاملة، وتصلح لعلاج الأوضاع في المدينة آنذاك، وفيها من القواعد والمبادئ ما يحقق العدالة والمساواة التامة بين البشر، وأن يتمتع بنو الإنسان على اختلاف ألوانهم ولغاتهم وأديانهم بالحقوق والحريات بأنواعها. وقال: لا تزال المبادئ التي تضمنها دستور المدينة في جملتها معمولاً بها، والأغلب أنها ستظل كذلك في مختلف نظم الحكم المعروفة إلى اليوم حتى وصل إليها الناس بعد قرون من تقريرها في أول وثيقة سياسية دونها الرسول، صلى الله عليه وسلم، فقد أعلنت الصحيفة أن الحريات مصونة، كحرية العقيدة والعبادة وحق الأمن، فحرية الدين مكفولة، للمسلمين دينهم ولليهود دينهم، قال تعالى: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) «سورة البقرة: الآية 256» [3]
مظاهر التعايش في الإسلام
تأتي مظاهر التعايش بين الأديان متمثلة في الأمور الآتية كما يأتي: [4]
- الاعتراف بوجود الطرف الآخر دون وضع ديانته أو مذهبه في الاعتبار.
- عدم إكراه الآخرين في الدين.
- التعامل مع أصحاب ديانات أهل الكتاب بالقسط والإحسان.
- استخدام الحوار بالتي هي أحسن معهم.
عبارات عن التعايش بين الأديان
- “وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبّة لهم، واللطف بهم، ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه” (وصية على بن أبي طالب عن التسامح بين الأديان لمالك بن الأشتر عند ولايته لمصر)[5]
- حبّذا الشرقيون والغربيون لو أخذ بعضهم عن بعض مما هو، جميل في أديانهم، صحيح في عاداتهم، سام في فنونهم، عادل في أحكامهم وشرائعهم، سليم في أخلاقهم، إن خلاصة الصحيح السليم من ثقافة الشرق والغرب، ممزوجة موحدة.. إنما هي الدواء الوحيد لأمراض، هذا الزمان الدينية والاجتماعية والسياسية فالغربي، عندئذ يعود إلى الله، والشرقي يرفع عن الله بعض أثقاله”. (الأديب اللبناني أمين الريحاني)[6]
-
“الظلم يمكن تصحيحه بالعدالة والعقوبة، المثل بالمثل، لكن الطريقة الوحيدة للانتصار على الظلم، هو التسامح. ولذلك يأمر القرآن بالعدالة، وينصح بالتسامح. (من كتاب هروبي إلى الحرية علي عزت بيجوفيتش أول رئيس جمهوري للبوسنة)[5]
- التنوع بين أجناس البشر يجعل التسامح والتعايش أكبر من كونهم فضيلة، بل تجعلهم أسباب رئيسية للحياة” (عالم الأحياء الفرنسي رينيه دوبو)[7]
-
العدالة هي حق للأعداء كما هي حق للأولياء.
-
العدل مع الأعداء أقرب للتقوى.[8]
- التسامح وحقوق الإنسان مبدآن لا يتجزئان. (سيمون فيزنتال).
- لا يعني التسامح تخلي الفرد عن معتقداته الدينية، لكن هو إدانة الفرد لمفهوم اضطهاد الآخرين وازدرائهم. (جون إف كيندي)
- التعايش والتسامح هو حجر الأساس الذي عليه تُبنى العلاقات الإنسانية. (الكاتب الأمريكي غل رون هوبارد)
- المبدأ الأول لحقوق الإنسان هو التسامح. (المفكر الفرنسي فولتير)
- إذا استطعنا أن نكون على قلب واحد، حينها فقط نستشعر حقيقة الدين وهو محبة الله، التعايش، التعاطف، التسامح، الأخوة، الشعور أننا واحد كلها تعتبر علامات الدين الصحيح. (سري تشينموي مرشد روحي هندي)
- الفضيلة هي ما لا ترضاه على نفسك، لا ترضاه على غيرك. (المعلم الصيني كونفوشيوس)
- إذا نسينا يوماً ما أننا أمة واحدة تحت حكم الله، فسنكون أمة منهارة” (رونالد ريغان رئيس أمريكا السابق)
- كلما نجح الناس في التعايش مع بعضهم البعض، كلما انفتحت الحدود وتوافقت الآراء، وبالتالي يصبح التعايش والتسامح جزءاً لا ينفصل عن حياتنا الاجتماعية، دون تسامح لا يوجد حرية أديان ولا ضمير ولا رأي. (توماس كلستيل رئيس النمسا السابق)[7]
مفهوم التعايش بين الأديان
يدور مفهوم التعايش بين الأديان في ديننا الحنيف عن عدم المساس أو التحريف في أصول الدين نفسه، أي أن التعايش المقبول بين الأديان يخلو من أي كذب أو خداع أو ضرر، كما أمرنا دين الإسلام بالتعايش السلمي مع الأديان الأخرى، لأن أمر الاختلاف أمر طبيعي في الحياة ومقبول دون ضرر أو ضرار، الدليل على ذلك حينما أوصانا الرسول صلى الله عليه وسلم بأهل الذمة وأكد أن “لهم مالنا وعليهم ما علينا”، أي أن المجتمع الواحد يعيش المسلمون وأهل الذمة في سلام ورباط وأن يحترم كل منهم الأخر، فقط اعترف الإسلام بالأديان السماوية جميعها وأن أمر الاختلاف مقبول وحتمي، وكما جاء في سورة يونس الآية 99 ” ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً، أفانت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين”.
من فقه المعاملات الإسلامية التي نص عليها ديننا الحنيف، أن العدل مع الأعداء وتجنب ظلمهم هو الأقرب للتقوى، نفس الحال فيما يخص العدل مع غير المسلمين، أي أن إقامة العدل ونبذ ومقت الظلم، لا يرتبط بدين الشخص أو مدى الحب أو الكره بينك وبينه، عدل الله منزه عن أهواء الحب والكراهية وأي أغراض شخصية أخرى، قد ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم قول “من آذى ذمياً فأنا خصمه”.
من المواقف التي تدل على أن مفهوم التعايش والتسامح بين الأديان، من أساسيات الدين الإسلامي، موقف الرسول صلى الله عليه وسلم عند فتح مكة، عندما سأل أهلها ما تظنون أني فاعل بكم، فقالوا أخ كريم بن أخ كريم، فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن عفا عنهم وقالوا لهم ” أذهبوا فأنتم الطلقاء”، أي أن مفهوم التسامح والتعايش بين الأديان لا يقتصر وجوده فقط في أوقات السلم والرخاء، لكن أيضاً في وقت الحرب، فالأولى إظهار التسامح والعفو بدلاً من البُغض والكراهية.[8][9]


وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ