محتويات
أكثر ما كان يمنع كفار قريش من الإسلام
- العصبية القبلية.
- تحريف رسالات النبوة وعدم التأثر بها.
- الخشية على سيادة قريش العرب.
- ادعاءات اليهود ببطلان الإسلام.
كان يمنع كفار قريش من الإسلام أسباب عديدة على رأسها العصبية القبلية وسواها من الأسباب التي أعمت بصيرة أهل مكة وأسياد البطحاء عن الدين الحنيف ومضمون الرسالات السماوية مما أتى به الأنبياء، وهي كما يلي:
العصبية القبلية: أي التعصب لعادات وطرق الآباء والأجداد في الحياة وفي العبادة، على اعتبار أنها الصواب الذي لا بد من المواظبة عليه، قال عز وجل: {وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ ۖ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ}، لذا سعا هؤلاء سعيهم لمحاربة من يخالف تلك العادات وتعمدوا اتباعها اتباع الأعمى رافضين ما أتاهم من دعوات الهداية، قال تعالى: {إِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ}.
تحريف رسالات النبوة وعدم التأثر بها: فقريش وهي أعظم قبائل وسادات العرب؛ كانت البيئة التي تبدلت فيها فحوى رسالة التوحيد التي دعا لها إبراهيم الخليل عليه السلام فلم تبقى على أصلها، كما لم يصل إلى قريش من علوم الإنجيل والتوراة التي نزلت على أهل الكتاب من قبلهم من النصارى أو اليهود، إذ قال عز وجل في محكم التنزيل: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۚ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ}.
الخشية على سيادة قريش العرب: فقد تخوف سادة قريش من احتمال تزعزع مكانتهم في حال أعلنوا إسلامهم واعترفوا بنبوة محمد بن عبد الله ﷺ، إذ من الممكن أن يفقدوا تزعمهم العرب، علماً أن العرب كانوا يلومون من يسلم منهم ويدعونهم إلى الردة.
يعتبر الصراع على الزعامة من أبرز القبلية، فكثيراً من العرب من غير نسب النبي لم يقبلوا بالإسلام لحسدهم لهم على العز الذي اختارهم الله له بأن يكون من جلدتهم نبياً، فكان تعمدهم رفض الإسلام والتعنت بالكفر فقط لأنه يبعدهم عما اعتادوا من التفاخر بالأنساب والمناصب في الجاهلية.
ادعاءات اليهود ببطلان الإسلام: ادعى يهود مكة وهم من أهل الكتاب أن الإسلام دين غير صحيح وأنه ليس من الأديان السماوية، وهو ما ثبت بقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا}. [1]
هل كان كفار قريش يؤمنون بتوحيد الربوبية
نعم؛ كان كفار قريش يؤمنون بتوحيد الربوبية.
من الأدلة الشرعية على أن أهل قريش وسواهم من الكفار ممن عاصروا النبي ﷺ لم ينكروا في صدورهم وعقولهم فكرة وجود الله والإيمان بربوبيته، وهو ما ثبت بقوله الله العزيز في محكم التنزيل: {وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}.
وقد فسر ابن كثير رحمه الله الآية بقوله: “أن الله عز وجل يؤكد لمن كفّر دين الإسلام بأنه الإله الوحيد ولا يُعبد سواه كما فعل المشركين على الرغم من اعترافهم بأنه من خلق الخلق ورازق العباد فهو من بيده الأرزاق والآجال، وهو المستقل بهذه الخصال التي لا يدبرها أحداً سواه، وبما أن حالهم كذلك يجب أن يتم توحيد العبودية لله وعدم مشاركة أحد بعبادته”، أي أنّ الله قرر الاعتراض على عدم توحيد الربوبية له، خاصةً أنه من الأمور التي يعرفها الكفار دون الاعتراف بها.
وقد أكد الله عز وجل في نص شرعي آخر من القرآن هذا التناقض من عمل الكفار، بقوله تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ}، فإذا ما سألت أحدهم عن هوية خالق كل شيء (الأرض والسماء والجبال)؛ سيقولون الله، وهو قول الصحابة ابن عباس وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم والضحاك ومجاهد وقتادة وسواهم في تفسير هذه الآية الكريمة. [2]
العصبية القبلية قبل وبعد الإسلام
العصبية القبلية من عادات الجاهلية التي جعلها الكفار مطيّةً يمتطونها في سبيل صدهم عن الإسلام؛ الذي رفضها واجتثها من مجتمع المسلمين.
كانت العصبية القبلية من أبرز اساليب قريش في مواجهة الدعوة للدين الحق، والتعصب ما هو إلا يمنع المتعصب من الاطلاع على ما يخالف الاعراف بغض النظر عن صوابها أو خطأها، فلا يستهوي الاستماع لهذه الأدلة أو التبصر بما جاءت به، مما يغيب البصيرة ويعمي القلوب، فيأبى المتعصب الاعتراف بما يفوق رأيه أو ما يتعصب له، وللتعصب مصادر وأنواع كالتنافس على الجاه أو الميل القبلي لقرابة الدم، ويبقى التعصب جذوة مستعرةً حتى وإن حلت الهزيمة.
ومن صور رفض النبي ﷺ التعصب لأقاربه أنه عندما أبلغ الناس بدعوته اختص أقاربه ليوضح لهم أن عصبية القرابة تتلاشى وتضعف أمام الأوامر الإلهية، وقد ثبت هذا بخطابه ﷺ في أهله وفي قريش عندما قال ﷺ: “يا معشر قريش اشتروا أنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئا؛ يا بني عبد مناف، لا أغني عنكم من الله شيئا”، وكذلك قال لابن عمه عباس بن عبد المطلب وعمته صفية وابنه فاطمة الزهراء وهم أقرب الناس إليه.
وقد أعلن النبيّ ﷺ زوال عصبية القرابة أو العصبية القبلية في الإسلام منذ بداياته، والتي حل مكانها خصال الأخوة ومناصرة المستضعفين، وأن المسلمين يتعاونون بين بعضهم البعض على البر والتقوى وليس الإثم والعدوان، فقد نها الله ورسوله عن الأحلاف الباطلة في الجاهلية التي لم يبقى منها إلا ما توافق مع أصول الدين، قال رسول الله ﷺ: “لا حِلْفَ في الإسْلامِ، وأَيُّما حِلْفٍ كانَ في الجاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الإسْلامُ إلَّا شِدَّةً”.
مظاهر العصبية القبلية والنعرات الجاهلية
للعصبية القبلية أو تعصب المرء لذويه وزملاؤه الكثير من المظاهر التي اعتادها أهل الجاهلية قبل الإسلام، وللأسف يوجد منها الكثير في المجتمعات الإسلامية رغم نهي الله ورسوله عنها، ومنها:
- التفاخر بالحسب أو النسب أو العرق أو الانتماء للأحزاب أو القبائل.
- تعيير الناس لأشكالهم أو لعاداتهم.
- تقسيم المجتمع إلى طبقات ومعاملة الناس على أساس التقسيم، فهم ليسوا سواسية.
- مناصرة أقارب الدم سواءً على الحق أو على الباطل.
- تربية الضغائن وزرع الأحقاد في الصدور تجاه من يخالف أعراف القبائل.
- غرس أسباب الوهن وتضعضع العلاقات ما بين القبائل أو العشائر، ما يساهم في تفكك اللحمة في الأمة الإسلامية، وهو ما يزيد أطماع أعدائها بها لأنها ستغدو أمة أنهكها التمزق وأسباب التشرذم. [4]
أمور ساعدت بتذويب العصبية القبلية
- جعل وشيجة الدّين هي العقيدة.
- تسخير العصبية القبيلة بنشر الدين.
توجد أمور عدة عمل الإسلام بموجبها على تذويب العصبية الموروثة من المجتمع الجاهلي والاستفادة من بعض خصالها، وهي:
جعل وشيجة الدّين هي العقيدة: والوشيجة هي ما ينبت من الزرع فيجتمع به ويقوي عوده، وقد نهى الإسلام عن جعل وشيجة الدين بالدم أو بالانتماء بروابط الجنس واللغة واللون، وإنما هي فقط وشيجة العقيدة ومن يسعى دون العقيدة فقد سعى سعي الجاهلية، قال رسول الله ﷺ: “مَن خرج من الطاعةِ، وفارق الجماعةَ، فمات، مات مِيتةً جاهليةً، ومن قاتل تحت رايةٍ عَمِيَّةٍ، يغضبُ لعَصَبِيةٍ، أو يَدْعُو إلى عَصَبِيَّةٍ، أو ينصرُ عَصَبِيَّةً، فقُتِلَ، فقَتْلُه جاهليةٌ، ومَن خرج على أمتي يَضْرِبُ بَرَّها وفاجرَها، ولا يَتَحاشَا من مؤمنِها، ولا يَفِي لِذِي عُهْدَةٍ عَهْدَه، فليس مِنِّي، ولستُ منه”.
تسخير العصبية القبيلة بنشر الدين: سخر الإسلام التعصب القبلي لما يخدم نشر الدين دون الخضوع لآثار التعصب الحادة في تضعضع العلاقات بالمجتمع وانحلاله، عبر إعداد العدة لمجابهة أعداء الدين باستثمار ما تولده من الحماسة الصادقة في تجييش الجيوش، كما تم تسخير خصلة النخوة العربية وخشية العار لمناصرة الأشقاء من العرب، لكن ما أذابه الإسلام من العصبية القبلية هو مظاهر معينة كالتفاخر بالأنساب أو تحقير الآخرين أو غيرها مما يولد الضغائن. [5]

