القصواء واحفادها

كتابة منى برعي آخر تحديث: 24 يناير 2020 , 23:56

أي شرف عظيم تلك التي نالته القصواء ، رافقت خير خلق الله في هجرته بل في حياته في مواقف شتى ، شاركت أرفق خلق الله تبارك وتعالى وارقهم قلبا ، كانت بداية القصواء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الهجرة عندما أتى بها سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه لكي يرحلا معا إلى المدينة المنورة تاركين مكة ، لذلك العذاب الذي أبداه أهلها لهم ولكي ينشروا دين الله تبارك وتعالى في شتى الأرجاء ، ذلك هو اليوم الأول للقصواء مع أكرم الخلق لترافقه بعد ذلك أهم رحلاته التي قام بها ، نالت شرف القرب منه أي شرف هذا ؟ .

عانى صلوات الله عليه وسلامه الكثير والكثير من أجل إعلاء شأن الدين الإسلامي الحنيف ومن أشد أنواع المعاناة محاربة أهله وذويه له ليمنعوه عن نشر الدعوة الإسلامية كما أنهم قدموا له العديد من الاغراءات لكي يتخلى عما يريد لكنه اختار طريق الدعوة إلى الله وترك الظلم والجهل والعدوان إلى النور والهداية ، ولحب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم له كانوا يبجلون كذلك كل ما يخصه من أمور حتى دابته وراحلته كانوا رضوان الله عليهم يكرمونها أي إكرام ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكن لها حبا حتى أنه دافع عنها يوم أن بركت في صلح الحديبية فاتهما البعض أنها حزنت لكن النبي الكريم قال مدافعا عنها والله ما حزنت لكن حبسها حابس الفيل ، أي أنها مأمورة بذلك فهو يعلم ما تكن ويعي جيدا معنى كل تصرف منها لذا دافع عنها أمام أصحابه .

ما معنى القصواء

يطلق اسم القصواء ويراد به ذلك البعير أو الناقة التي يتم قطع جزءا من أذنها ، وذلك مما ورد عن معنى القصواء في اللغة ، أما في الاصطلاح يعني اسم القصواء تلك الناقة أو البعير الذي أقصاه أي أبعده مالكه عن ما يتعبه من الخدمة أو الرعي ، ويعني ذلك أنها ذات مكانة مرموقة فلا يريد صاحبها أن يشق عليها في الأعمال التي من شأنها أن تتعبها ، كذا لتبقى أمام عينيه طيلة الوقت ليرعاها ويعتني بها ، لذا أقصى النبي صلى الله عليه وسلم ناقته الجليلة القصواء عن العمل وسميت بذلك الاسم تكريما وتبجيلا لها .

وصف ناقة القصواء

كانت القصواء من الدواب المحببة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذلك لأنها من الدواب الأصيلة وتتميز أيضا بسرعتها وقوتها مقارنة بأي دابة أخرى ، لذا شهدت مع الرسول الكريم أهم الأحداث مثل صلح الحديبية وفتح مكة وخطبة الوداع الأخيرة ، التي كان صلوات الله عليه وسلامه يوصي بها المؤمنين على دينهم شاهدت القصواء تلك الأحداث جميعها في رفقته صلى الله عليه وسلم ، لذا كانت صاحبة مكانة عظيمة ، حتى بعد وفاة النبي ولا زال أحفادها لهم من المكانة مالهم تكريما لجدتهم القصواء .

وروي في صحيح البخاري من حديث عائشة : أن النبي اشترى راحلة الهجرة من أبي بكر الصديق ، وهما راحلتان اشتراهما أبو بكر ، فجاء بإحداهم وقال له : “فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين ، قال رسول الله : ” بالثمن ” قالت عائشة فجهزناهما أحدث الجهاز ” .

كما أنها هي ذاتها التي كانت سببا في اختيار موضع المسجد النبوي ، عندما بركت في ذلك الموضع الذي يملكه أولئك الغلامين اليتيمين ليكون ذلك المسجد الطاهر الذي يأتي إليه المسلمون من شتى أنحاء العالم لزيارته ، وزيارة رسولنا الكريم .

ووصفها سيدنا سعيد بن المسيب أنها كانت سريعة لا تستطيع أي ناقة أخرى أن تسبقها ، كان لونها أحمر ما بين الأبيض والأسود لكنها تقترب من اللون الأبيض ولدت في بني قشير بمنطقة تسمى مضارب في شبه الجزيرة العربية .

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعاملها بكل رفق ولا يحملها فوق طاقتها ولم يقم بتعنيفها وضربها قط في حياته ، كما أن لها العديد من المواقف التي تعتبر من المعجزات كوقوفها في مكان الحديبية وعدم سيرها حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر ذلك بأنها مأمورة ، ومن العلامات أيضا بركها في قطعة الأرض التابعة للغلامين اليتيمين لاختيار مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك المنطقة .

وهذ الناقة الشريفة كانت مطية الرسول الكريم في حجة الوداع ، فبها وصل إلى عرفات ليقضي يوم عرفة ، كما كانت راحلته في المزدلفة عند المشعر الحرام وعليها ألقى خطبته الخالدة التي وضح فيها للمسلمين أمور دينهم ، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : سارَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حتَّى وصل لعرفةَ فوجدَ القبَّةَ التي ضربت لَهُ بنَمِرةَ فقضى وقته بِها حتَّى إذا مالت الشَّمسُ أمرَ بالقصواءِ فرُحِلَت لَهُ .

القصواء والهجرة

بعدما جاء بها سيدنا أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه إلى الرسول أبى صلوات الله عليه وسلامه إلا أن يدفع ثمنها ، وبعد المشاورة قرر النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر الصديق الهجرة على أن تكون ليلا في فترة المحاق لكيلا يراهم أحد من المشركين فيتبعهم ، وكان الدليل عبد الله بن أريقط لأنه كان عالما بالطريق بين مكة والمدينة ، كان الطريق وعرا وذلك لأنهم سلكوا الطريق الأصعب ، حتى أن القصواء تشقق قدمها من صعوبة الطريق وقسوته ، حتى أن سيدنا أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه استعان بصديق له لكي يطلب منه زاد وماء وناقة أخرى تساعدهم على السير بعد تعب القصواء والناقة الأخرى ، وأتى له صاحبه بقربة من الحليب وناقة ، كما طلب منه دليل آخر غير عبدالله بن أريقط .

وكانت القصواء تعرج من شدة الألم والطريق الصعبة التي كانوا يسيرون بها خوفا من المشركين ، فقد عانت القصواء والناقة الأخرى معاناة تلك الرحلة مع الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبو بكر الصديق .

وبسبب تلك الرحلة الشريفة اختلفت القصواء عن أي ناقة أخرى ، حيث أنها أصبحت من النوق الهامة التي عنى المؤرخين بها أي عناية ، حيث تعد الهجرة النبوية من الأحداث الهامة في التاريخ الإسلامي ، فهي الخطوة الأولى في بناء دولة المسلمين .

القصواء واحفادها

مثل القصواء نال أحفادها مكانة عظيمة بين الناس تكريما لجدتهم ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ينتشر الأحفاد الآن بين الركب ويكأنهم يتفقدون أثر جدتهم ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، تلك التي جعلتهم ينالون تلك الشهرة الكبيرة ، يعمل الناس الأحفاد معاملة خاصة غير أي ناقة أخرى تكريما لجدتهم القصواء التي شاركت أشرف الخلق أهم مواقف وأحداث حياته ، حتى أنها كانت ذات مكانة كبيرة بين صحابة رسول الله صلوات الله عليه وسلامه .

وفاة القصواء

توفيت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم القصواء بعد وفاة الرسول بثلاثة أشهر ، حزنا وكمدا على فراق سيد الخلق حتى أنها فقدت بصرها ، ولم تعد ترى كما أنها كانت لا تأكل من الحزن عليه ، وكان صحابة رسول الله يتركونها كهذا دون تقييد ، وقد توفيت في خلافة أمير المؤمنين الخليفة الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه .

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق