قصص من التراث الفلسطيني

كتابة هدير الهنداوي آخر تحديث: 25 أبريل 2020 , 22:10

يزخر التراث الشعبي الفلسطيني بالكثير من القصص المميزة، والتي تتناقلها الأجيال؛ للدعوة إلى التمسك بالأخلاق الحميدة، وكذا حسن التصرف في الكثير من المواقف الحياتية العسيرة. وكذلك فإن من القصص ما يُذكرنا بأحداث مرت بحياة الأجداد والجدات.

قصص التراث الفلسطيني

  • يحتوي التراث الفلسطيني على كثير من القصص التي لا زالت تُروى، وتُقص في الجلسات العائلية، أو مجموعات الأصدقاء، وكذا المثقفين بالمحافل الأدبية والثقاية المختلفة.
  • وتضم القصص الفلسطينية الحكي عن أخبار القدماء، والمدن الفلسطينية، والعلاقات بين الحكام والمحكومين، وكذلك العلاقات بين الإنسان والحيوان والطير وغيره.
  • تحكي القصص الفلسطينية أيضاً عن علاقة الإنسان بحاضره ومستقبله وأمانيه.
  • وتشير القصص الفلسطينية إلى المستفاد دائماً من القصة في نهاية الأحداث، فتخلد العظات.

حكاية ذكاء صياد

بينما كان يسير الملك مع الوزير على شاطيء البحر، وجدا صياداً يبدو على مظهره فقر الحال، ورغم ذلك فهو يلقي الشباك في مياه البحر؛ ليصطاد، في منتهى الفرح والسرور، و يغني كما ولو أنه لا يعبأ بهموم الحياة.

قرر الملك والوزير التعرف على الصياد، فاقتربا منه، وسأله الملك: كيف حالك؟ فرد : حالنا واحد؛ فأنا ملك؛ ألقي بشباكي، وأعود برزقي إلى من أعول، وأنام وأنا مطمئن النفس، ومستريح البال.

استفز قول الصياد الملك، فقال: أنا ملك البلاد، ولا يصح أن يشاركني في الملك أحد! ، فرد الصياد : إذا كنت ملكاً على عرش مملكتك، فأنا ملك في حرفة عمري الصيد وذلك على عرش شباكي.

بادره الملك قائلاً: سأختبرك، وإن صدقت القول عفوت عنك، وإن لم تصدق أمرت بقطع رأسك! ، رد الصياد قائلاً: أنا رجل بسيط، أسعى على رزقي، روزق أبنائي، لديك وزير اسأله كما تريد!

زاد رد الصياد من رغبة الملك في إلقاء السؤال، فسأله: قل لي أيها الصياد ما عدد النجوم؟ وما عمل ربك الآن؟

نظر إليه الصياد، ثم رد: لا أجيبك حتى تمنحني كلمة الأمن والأمان، يا ملك الزمان. فأسرع الملك مجيباً: لك مني الأمن والأمان، وهذا عهد!

أجاب الصياد : إذا حلقت شعرك يامولاء، ووضعته هنا أمامي، وقمت بعده، سيكون ناتج العد هو عدد نجوم السماء، وأما عمل ربي الآن هو…

نظر الملك مستفهماً، فقال الصياد: لا أجيبك حتى ينزل وزيرك عن حصانه، ويخلع ملابسه ويرتدي ملابسي ! فأمر الملك الوزير بفعل ما قاله الصياد، فأطاع الوزير الأمر.

امتطى الصياد حصان الوزير، بعد ان ارتدى كلاً منهما ملابس الآخر، وقال: إن عمل ربي الآن هو أن يبدل في ثوان كل الأحوال من حال إلى حال.

وجأة، مر طير فوق رؤوسهم جميهاً، وصاح : كاك..كاك..كاك ، فسأل الملك وزيره: ماذا يقول الطائر؟ فرد الوزير: لا أدري! ، فكرر الملك السؤال على الصياد، فرد الصياد: أما كاك الأولى فتعني : سبحانه! لا يعرف سر أي مخلوق على وجه البسيطة إلا هو، وكاك الثانية تعني سبحانه! لا يعلم جميع العلوم بمشارق الأرض ومغاربها إلا هو، وكاك الثالثة تعني : سبحانه! لا يملك سر الرزق وسر العمر إلا هو.

ابتسم الملك في تفهم، ثم أشار للصياد قائلاً: مكانك من الآن على ظهر الحصان فلا تنزل، و مكانك أيها الوزير من هذه اللحظة على شاطيء البحر فلا تعلو.

قصــة الكووك

في زمان حكم فيه الأتراك فلسطين، عاش رجل بسيط الفكر والحال إسمه درويش، وعاشت في كنفه زوجته العاقلة فهيمة، التي لطالما صبرت على حاله، وقاست من كثرة مشاكلها معه.

وحدث أن ضاق الحال بهما، فطلبت من زوجها أن يذهب بالبقرة لبيعها في السوق نظير 10 أو 20 ليرة.. ثم جهزت فهيمة لدرويش زاد الطريق، وسحبت له البقرة، واستلمها منها ليجرها في طريقه إلى السوق.

قرر درويش أن يجلس في ظل الشجرة ليستريح من تعب سحب البقرة، فربط البقرة بجزع الشجرة، وجلس يفترش أمامه منديل الزاد، وما إن قال: بسم الله ، حتى سمع صوت نعيق الغراب، فنظر إليه قائلاً:

“والآن! ماذا تريد يا غراب؟ هل تريد شراء البقرة؟” فنعق الغراب بصوته : كوك ..كوك.. كوك..فرد درويش: إذن هل تدقع 20 ليرة؟ فنعق الغراب: كوك.. كوك..كوك.

قال درويش: أين النقود إذن؟ أهي تحت الشجرة؟ نعق الغراب: كوك..كوك..كوك . نهض الدرويش وهو يحفر أسفل الشجرة حتى اصطدمت يده بجرة مليئة بالذهب العثماني، عد منها عشرين ليرة، ثم رد الباقي إلى الجرة، ودفنها مكانها، وترك البقرة مربوطة في الشجرة للغراب.

عندما فوجئت فهيمة بعودة درويش قبل غروب الشمس، سألته عن البقرة فقال: بعتها للغراب بعشرين ليرة، وها هي النقود! انفعلت الزوجة فور رؤية الليرات، وتجاذبت اطراف الحديث مع زوجها حتى عرفت منه القصة بالكامل.

ابتسمت له ثم قالت: أدعو الله لك بالصحة والعاية وكمال العقل! ، ثم سارت هيمة جهة الشجرة، وأخذت تحقر حتى وجدت الجرة فملأت جيوبها بالليرات الذهبية، وفكت البقرة وعادت بها للمنزل.

وفور رؤيتها انفعل الدرويش، وصاح: سارقة، لصة، تسرقين بقرة الغراب، حرام عليكي! فكرت هيمة في تهور زوجها، فصنعت الزلابية أو (لقمة القاضي) وصعدت إلى سطح منزلها، وأخذت تلقي عليها حبات الزلابية، فأخذ يرقص فرحاً وهو يقول: السماء تمطر زلابية! السماء تمطر زلابية!

ولكنه أصر على الذهاب للحاكم؛ ليشكو زوجته سارقة البقرة التي باعها للغراب، وأنها قد سرقت الليرات الذهبية أيضاً، وبعد ذهابه ليشكو للحاكم زوجته، قام الحاكم التركي باستدعاء الزوجة، و سألها يما يُنسب إليها من اتهام زوجها.

ردت فهيمة: زوجي ياسيدي الحاكم.. رجل بسيط الفهم والفكر..وكثيراً ما عانيت بسببه..ورغم ذلك فأنا صابرة وراضية.. وإذ لم تصدقني اسأله متى حدث هذه الأمر؟

وعندما سأل الحاكم درويش عن زمن الواقعة، قال: حدث ذلك يوم أن أمطرت السماء زلابية. فضحك الحاكم، ونظر إلى الزوجة، وقال لها: الله يعينك ويصلح حالك وحال زوجك، يمكنك العودة الآن به لمنزلكما.

وعندما عادت فهيمة للمنزل، قرر ترك المنزل بما حملت من متاعها، وعادت إلى حيث تقطن ببئر سبع.

ويظل التراث الفلسطيني يحمل من القصص التي يحب الكبار قصها على الأطفال الكثير. فالقصص تحمل مضموناً إيجابياً في حوارها، وأحداثها، وكذا في الدروس المستادة منها.

ويتسع التراث الفلسطيني في حكي القصص ليشمل كل ما زالت تحتويه صدور الشيوخ، والمُسنات من كيفية تختلف بين شخص وآخر في أسلوب سرد القصة أو “الحدوتة”، وكذا في أسماء الأبطال، ولكنها لا تحيد أبداً عن العبرة التي تحويها القصة.

فكما استنبطنا من قصة الصياد؛ التي تعلمنا قصصاً مثل كيفية بلوغ الأهداف بالصبر، وحسن البديهة، والرضاء بما يقسمه الخالق، الذي بيده ملكوت كل شيء.

وكيف قادتنا قصة الكوك، إلى أنه ينبغي علينا أن البحث عن ما ينفع دارنا دائماً، وأن نكون على حيطة وحذر من تعاملاتنا مع الجميع، كذلك فلابد علينا أن نعمل على تطوير ذكائنا، وعدم السماح لأي أحد بالتأثير على أفكارنا، وإلا أصبحنا ضحية لاستغلاله.

لهذا فإن الاهتمام بتدريس هذه القصص التراثية في منافذ العلم المختلفة، والحرص على تدريسها بشكل منهجي للأطفال، يساهم في إنشاء جيل واع، ومثقف، ومتسق مع هويته، ولديه حس وطني عالٍ. [1]

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق