متى يكون المزاح ثقيلا

كتابة ريم آخر تحديث: 16 مايو 2020 , 15:35

كان في العهود السابقة يردد البعض مقولة: “لا داعي إلى المزاح الثقيل لأنك لا تتقبله”، كان يرددها البعض عندما يقوم أحد بالمزاح الشديد أو عند تعرض البعض للمقالب الشخصية بين الأصدقاء والأقارب وأصحاب الدراسة، لكن في وقتنا الحالي تحولت المزحة إلى مرحلة الجنون الذي كاد أن يقتل صاحبه أحيانا.

سخافة المزاح

نبتعد عن الأجواء المحيطة بالغم أو الأمراض أو الحياة الروتينية التي اعتادها الكثير منا باللجوء إلى المزاح والمقالب إذا كان في ذلك ترفا أو فكاهة لأن الناس تحب عادة الأشخاص البشوشين وخصوصا أن البعض الذين يسيطرون على المجالس والتجمعات في إدارة الحوار سواء كان الحوار اجتماعيا أو فكاهيا.

وعادة الناس تصغي للنكات والطرافة بشكل أوسع بل بشغف أكثر كنوع من تغيير الجو والبعد عن المواضيع الحزينة وأخبار الحروب وتفشي الفيروسات، ولكن للأسف هناك من يدسون بين طيات الحوار معنى سيئا قد يقصدون به شخصا يجلس بين المجموعة في نفس المجلس أو شخص غير موجود ويعرفه الأغلبية ويكون الهدف غير آدمي حيث كونه يندرج تحت تشويه صورته أو انتقاص قيمته أمام الآخرين، كأن يكون موضع مقارنة بشيء سيء أو التطرق للوزن أو المال القليل عند بعضهم أو الطول أو القصر كنوع من التشبيه.

وهذا الشخص يكون قد أضحك المجموعة على حساب شخص آخر سواء كان غائباً أو موجوداً وهذا أسوأ شيء ممكن أن يقوم به الإنسان لأنه سيكون في حرج أو قد يضطر للخروج عن التعقل ويدافع عن نفسه وفي كل الأحوال يقلب ذلك الشخص المجلس إلى أخذ وعطاء بين ضحكات متناثرة بعضها ببعض وهو مدرك حجم الجرح الذي تسبب فيه بخفة دمه المتصنعة المرفوضة بشكل كبير من جميع الأفراد المتنعمين بسلامة نفسية ولا أرى في دعابة تلك الفئة والتي منتشرة أي معنى سوى التجريح وأن ضحك منها البعض فأعتقد بأنهم ينتقدونه في داخلهم لأنه قدم محتوى بذيء لا يليق بالمتحدث ولا المستمع.

تخطي حدود المزاح

هناك عدد لا بأس به من الناس لا يكف عن الأذى للغير فلا يكتفون بإطلاق الدعابات والضحك والسخرية بل يتمادون إلى استخدام اليد أثناء المزاح قد يكون أسلوب غير لائق، فحسب وزن الشخص وقوة الضربة، وحسب المتلقي لتلك الضربة فربما يتحملها كبنيان وربما لا يستطيع تحملها، بالإضافة إلى أن هناك بعض الشخصيات وإن كبرت في السن إلا أنها لا تتنازل عن بعض الحركات الطفولية والتي يسهل عليهم أن يعبروا الزمن بتصرفاتهم فتجد مسن يقوم بالضرب بزجاجة الماء أو علبة المناديل على الأشخاص موضع النكتة حتى وإن كان في ذلك الأمر استياء شديد مما قاموا بعمله فهناك من يتمادى إلى أن يشبع هو من الضحك لا الآخرون ولا يبالي بما يقوم به.

مزاح ثقيل يشعل النيران

ليس كل ما يقال يؤخذ بمحمل المزاح فهناك كلمات تقال بمزاح ولكنها تحمل المعنى الحقيقي، فهناك بعض الفئات التي تزرع الفتنة والشر فقط بكلمة أثناء المزاح لإختلاق مشكلة بين شخص أو أكثر، وهذا بسبب التطفل في الحوار بغرض المزاح، قد يتحاور اثنتان حول موضوع وتتدخل الثالثة لزرع الفتنة بقول كلمة على سبيل المزاح تهين إحداهما وتوضح بطريقة أن الأخرى تتحايل عليها أو تنتقص من قدرها، ولقد رأيت مشهداً بين اثنتين تتجادلان في الكلام فإذا بخفيفة الظل تتدخل في النصف وتضرب على رأسها بضحك وتهول من عبارات إحداهما وكيف رضيت الأخرى هذا الأسلوب بأسلوب ضاحك وانتهى الموضوع بانفعال الأخرى والتراشق بالألفاظ النابية وفتح تحقيق ومحضر في المدرسة، فلابد لأولئك من معرفة متى يكون المزاح وما هي حدوده وليس الضحك لإشعال فتيل الأزمة.

الاتزان أثناء المزاح

الفروق المختلفة بين الأشخاص تجعل كل شخص مميز عن الآخر في طريقته وأدائه للحياة بشكل عام، فهناك فرق بين الشخصية المرحة والتي لها قبول بين الناس من تلك التي تنتقص من نفسها وتتصرف بجنون لإضحاك الآخرين عليها، بشكل مبالغ فيه، لأن ذلك الأمر يرجع إلى أنه مهما بلغت قيمة شخصيتها الاجتماعية فبمجرد أن تطلق العنان للسانها بالعبارات غير المناسبة والجمل الهزلية والضحك على الكل والتعليق السمج لإطلاق الدعابات فهذا ينقص من شأنها وتفقد احترامها مهما بلغت مكانتها في المجتمع وهناك شخصيات تدعي بأنها شخصيات ذو قبول من الآخرين ولا تطلق سوى تعليق أو جملة أو القيام بموقف بسيط وقد تضحك الجميع بأدب ولا يقلل من احترامها لأن تلك الشخصية مرحة باتزان ودون تجريح أو فضولية أو تطفل.

مقالب المزاح الثقيل

بات الجميع يقلد ما يراه أو ما يسمع عنه من الآخرين فتجد العديد من الأفراد يتبع نظام المقالب حسب المناسبات، حيث تمتد هذه المقالب للكبار أيضا ولا يقتصر على صغار السن، فتجد على سبيل الذكر بعض محلات الألعاب تبيع بعض الألعاب التي تؤدي إلى المقالب بين الآخرين ويتربحوا من خلالها بشكل كبير بدون الشعور بحجم الخطر الذي يشكله الممارسون على بعضهم البعض فتجد من يقوم باستخدام العصا الكهربائية ليشعر الطرف الآخر بماس كهربائي يؤدي أحيانا لانتفاضة الجسد واستخدام عبوات المياه الغازية المكهربة ومواد الروائح الكريهة، وقد يصل الأمر إلى المقالب في تناول الطعام.

المزاح غير المستحب

أجمعت الأقاويل على أن كل ما يؤدي إلى الإضرار بالشخص الآخر أثناء المزاح، سواء نفسياً أو جسدياً أو مادياً هو غير مستحب، حتى إن كانت النية فقط للمزاح، وعن ذلك قال رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم لا يأخذن أحدكم متاع أخيه لعباً ولا جاداً، فهناك مزاح ثقيل من الأفعال التي تجلب لصاحبها المشكلات، وتحمله إثماً كغيرها من الآثام والابتعاد عنها أمر مستحب، ولا بد من عدم الاستهزاء أو المزاح الثقيل مع الأشخاص من خلال اتخاذ أساليب مؤذية كسرقة شيء أو إنكار وجوده من أغراضهم أو إخافتهم أو إنساب صفات قد لا تكون محببة أو الاستهزاء بالشكل الخارجي كالملبس أو الطعام بطريقة مختلفة عن المعروف كالتناول بالأيدي الشمال مما يسبب حرج، فهذا من شأنه أن يخلق الضغينة بين الأشخاص، وهذه النتيجة من الممكن تجنبها لو عمد الشخص إلى الملاطفة دونما الإساءة للشخص المقابل.

المزاح المؤثر

ما زال المزاح المبالغ فيه يشكل عبء على الأفراد الواقع عليهم المزاح، فاتخاذ بعض الأشخاص للمزاح الثقيل غير المستحب مكروه خاصة وإن كان كوسيلة من وسائل الملاطفة وإشاعة أجواء من الفرح، هو أمر يحدده عدد من العوامل، حيث إن المزاح أولاً بين أفراد الأسرة الذي يتعدى الحدود الطبيعية ويتحول إلى ما يسمى المزاح الثقيل، هو ما تسمح به الأسرة أولاً داخل المنزل ومن ثم يتحول إلى من هم خارج المنزل، وعدم نهي الأسرة عن أنواع المزاح الثقيل، خاصة ذلك الذي يتعلق بالشتائم، أو السرقة، أو استخدام الأيدي بعنف، وغيرها من الوسائل، هو ما يجعل الأبناء يعتادون هذا النوع من المزاح الذي قد يعرضهم إلى إشكاليات مستقبلاً.

كما أشير إلى أن الفروق الفردية بين شخص وآخر، ومدى قدرته على تحمل أنواع المزاح حتى الثقيل منها، هو من العوامل التي تؤثر في هذا السياق، وهنا يجب علينا إدراك خطورة القيم التي بدأت تزرعها في أذهاننا وسائل الإعلام التي جعلت المقالب فن يروج له الجميع ويحقق مشاهدات مرتفعة، وخاصة القنوات الفضائية، التي تركز على البرامج والمسلسلات الكوميدية التي يبتعد الكثير منها عن النهج الأخلاقي في المزاح، كبرامج الكاميرا الخفية وبعض المسلسلات الكوميدية.

وقت المزاح المناسب

كل الأوقات ليست مجهزة لاستقبال تلك المزاح سواء إيجابي أو سلبي فالمزاح له أوقات وليس بكل الأوقات، كما أن المزاح شيء طريف ومرح ويخفف عنك في كل الأحوال ولكن كل شيء له حد، وإذا زاد الشيء عن حده ينقلب إلى ضده، بمعنى إذا تدفق المزاح لشكل طويل أدى إلى خسارة الطرف الآخر الواقع عليه الفعل، ولكن إذا مزح معك صديقك فهذا المزاح ربما يؤدي إلى الضرب بدون قصد، هنا وقع إيذاء تحت المزاح وربما المزاح يكون كلام جارح وهو لم يقصد، فعند إلقاء الكلمة لا يعي المازح رد فعلها وأثرها على المفعول به.

الحاجة الضرورية للمزاح

أحيانا نحتاج للمزاح بشكل كبير جدا حيث يمر الإنسان أحياناً بمشاكل يصعب عليه أن يجد لها حلاً ويصعب عليه الخروج منها وأحيانا أخرى يحتاج إلى الحديث فقط بدون المزاح نهائيا، وقد يلجأ إلى من يشعر بالراحة بالتحدث معهم، فهناك افراد لا تعي ذلك ويطلوا دائما في المزاح رغم ما يشعر به صديقهم من ضيق حتى تصبح مشكلته في أن المحيطين به أصبحوا مصابين بمرض المزاح الثقيل معه فلا يذهب إلى مكان أو يتحدث إلى أشخاص إلا وقد جاءوا على ذكر المزاح الثقيل.

سلبيات المزاح الثقيل

في نهاية الحديث حول أزمة المزاح الثقيل تجد هناك من ينسى نفسه، ويظن أن المزاح سبيله لتقزيم الآخرين أو التقليل من قيمتهم أو الاستهزاء بهم أو تصغيرهم أمام الآخرين كنوع من المزاح وتكون بداية المزاح خفيفا ويحصل تجاهل من الشخص الآخر له ولكنه يكبر ويكبر حتى يصبح مزاحا لا يطاق.

ولكن هذا النوع من المزاح غالبا ما يكون المزاح الثقيل يرتبط بالعائلة والتي لا يجوز المساس بها أو الهيئة الخلقية المسؤول عنها الله وحده أو الحال المادية فقد يضطر أحدهم للسرقة بسبب المزاح أو ما شابه، يمزح الشخص بهذه الأشياء وقد لا يدرك أنها تسبب كرها وضغينة بينه وبين صديقه ويزيد هذا المزاح من الشخص عندما يجد لا مبالاة من صديقه أو عدم رد وعندها قد يسبب مشكلة بينهم يصعب حلها.[1]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق