تفسير الله يرحمه ويجعل مثواه الجنه

كتابة ساره سمير آخر تحديث: 05 أكتوبر 2020 , 00:54

في الفترة الأخيرة نشأ جدل واسع بين من يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي ، حول صيغة الدعاء التي يجب أن يدعو الإنسان بها للمتوفي ، ومن المعروف أن الدعاء هو من أهم الأعمال الصالحة ، والقليلة التي تصل للإنسان حتى بعد موته ، لذلك يحاول كل شخص يحبه من عائلته ، وأصدقائه ، ومعارفه الدعاء له بالرحمة ، والمغفرة ، ويقول الله يرحمه ويجعل مثواه الجنه ، وقد ظهر بعض الأشخاص الذين يقولون أن هذه الصيغة من الدعاء منهي عنها لأسباب كثيرة  ، والأفضل أن نقول مأواه بدلاً من مثواه .

حكم قول الله يجعل مثواه الجنة

الحكم في هذه المسألة يتطلب أن يكون المفتي عالماً بمفردات اللغة العربية لأن هناك كلمتين يجب الحكم عليهم بالإباحة ، أو الكراهية لهما أو لأحدهما : [1]

فيقول القائل أن المثوى لا يجب أن يكون مع أهل الجنة حيث أن المثوى يذكر غالباً في القرآن الكريم مع أهل النار وقد وردت كذلك في الكثير من الآيات ، ويجب أن نقول مأواه الجنة ، والحقيقة أنه يجوز أن نقول مثوى ولا كراهية في قول الله يرحمه ويجعل مثواه الجنه  والدليل على ذلك قوله تعالي : ( وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ) وكقوله تعالي : ﴿وَاللهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ﴾ يمكن أن يكون للجنة وكذلك للنار  .

وقد جاء المأوى مع آيات العذاب مثل قوله تعالى :

  • ( وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ) .
  • (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ  ) .

وقد جاء المثوى مع غير آيات العذاب مثل قوله تعالي :

  • (وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ )
  • ( قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ )
  • ( وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ )
  • ( وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ )

ما معنى كلمة مثوى في القرآن

معني كلمة مثوى جاء في معجم لسان العرب كالتالي : [2]

ثوا : الثواء : طول المقام ، ثوى يثوي ثواء ، وثويت بالمكان وثويته ثواء وثويا ، مثل مضى يمضي مضاء ومضيا ; الأخيرة عن سيبويه ; وأثويت به : أطلت الإقامة به . وأثويته أنا وثويته ; الأخيرة عن كراع : ألزمته الثواء فيه . وثوى بالمكان : نزل فيه ، وبه سمي المنزل مثوى . والمثوى : الموضع الذي يقام به ، وجمعه المثاوي . ومثوى الرجل : منزله . والمثوى : مصدر ثويت أثوي ثواء ومثوى . وفي كتاب أهل نجران : وعلى نجران مثوى رسلي ، أي : مسكنهم مدة مقامهم ونزلهم . والمثوى : المنزل . وفي الحديث : أن رمح النبي – صلى الله عليه وسلم – كان اسمه المثوي ، سمي به لأنه يثبت المطعون به من الثواء الإقامة . وأثويت بالمكان : لغة في ثويت ; قال الأعشى : أثوى وقصر ليله ليزودا ومضى وأخلف من قتيلة موعدا .

الفرق بين المثوى والمأوى

الفرق بين المثوى والمأوى من القرآن الكريم جاء كالتالي : [3]

المثوى 

هو الشيء أو الحال الذي يستقر عليه الإنسان ، أو المال الذي يصل له بعد الكثير من العناء ، والمكابرة ، بدون أن يخطط له سابقاً ، ويمكن أن يكون الاستقرار على شر ، أو خير .

كما جاء في  القرآن الكريم مثلاً قوله تعالى :

  • (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)  فهنا يصف الله – عز وجل – وضع نبيه يوسف – عليه السلام – هو أنه في مكان أحسن فيه مثواه أي مستقره ووضعه ، سواء نال في هذا المكان الخير أو الشر .
  • ويقول تعالى : ( وَلَٰكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ  )
  • ويقول تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ  ) في الغالب يكون ذكر كلمة المثوى مع الكافرين ، وذلك لأن المستقر ( المثوى ) الذي وصلوا له بعد عناء ومشقة في الحياة الدنيا ، كانوا يظنون أنهم سوف يصلون إلى غيره ولكنهم اندهشوا  من هذا المستقر .
  • وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (17) فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّىٰ لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (18) فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (19) ) فهنا يصف الله – عز وجل- الحال الذي يتقلب في المؤمنين بأنه مثوى ولم تأتي كلمة مثوى لوصف الكافرين فقط .

المأوى 

هو المكان أو الحال الذي يستقر عليه الشخص بعد التعب ويركن إليه .

 وهناك الكثير من الأدلة على ذلك من القرآن الكريم مثل قوله تعالى :

  • ( إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً )
  • ( وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا ) .
  • وابن نوح يقول فيه تعالى: (قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ)
  • (قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيد ) فهو لا يجد الملجأ الذي يمكن أن يأوي إليه ويكون هو الركن الحامي له .
  • وفي سورة يوسف  : (وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )
  • (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ )
  • يقول تعالى لنبيه : ( تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا )
  • يقول تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ  ) .

جميع هذه الآيات القرآنية تدل على أن المثوى ، والمأوى معناهما متقارب ، ولكن هناك اختلاف بسيط بين المعنيين  فيجب أن نعلم أن المثوى هو المستقر ، أو المكان الذي يصل إليه الإنسان بعد الكثير من السعي ، والعناء ، والمشقة ، ولا يكون لديه تخطيط للوصل له ، ولا تدبير محكم ، سواء كان هذا المستقر حسن كان أو سيء .

لكن المأوى هو المكان الذي يصل إلى الشخص بعد الكثير من السعي ، والمكابدة ، مع التخطيط للوصول لهذا المكان واللجوء والاحتماء بهِ وإليه ، والحقيقة أن الدعاء في نهاية الأمر هو صلة بين العبد وربه ، ويمكن للإنسان أن يدعوا لنفسه ، وللمتوفي بما بالصيغة التي يجريها الله على لسانه لأنه – سبحانه – أعلم بكل ما يجول في خاطر الإنسان ، وما يسره ويعلنه فهو القائل في كتابه الكريم : ( ادعوني أستجب لكم ) فالأمر هنا مطلق الدعاء وليس وفق شروط أو صيغ محددة .

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق