محتويات
الفرق بين مفهوم الاكتفاء الذاتي في الاقتصاد والفلسفة
الفرق بين مفهوم الاكتفاء الذاتي في الاقتصاد والفلسفة يتمثل من خلال ما يتم توفيره من تعريفات واضحة وجامعة لمبدأ الاكتفاء الذاتي في هذين العلمين، وهو ما سُلِّط عليه الضوء في السطور التالية للتمييز بينهما والاطلاع على كيفية قراءة علوم الفلسفة والاقتصاد لهذا المفهوم:
- الاكتفاء الذاتي في الاقتصاد.
- الاكتفاء الذاتي في الفلسفة.
الاكتفاء الذاتي في الاقتصاد: يعرف الاكتفاء الذاتي في علم الاقتصاد بقدرة الدّولة أو أي مجتمع مستقل بشكل كامل على إنتاج ما يحتاج من السلع والخدمات محلياً دون الحاجة للاستيراد، وهو العامل الإيجابي في صمود المجتمعات بوجه التحديات كما يساعدها على استثمار عوامل الإنتاج والعمالة وكافة الموارد الطبيعية المتاحة في لتأمين ما يغطي حاجاتها الاستهلاكية من السلع والخدمات، ويؤدي بالتالي إلى تحسّن مستويات المعيشة، علماً إنّ أي اقتصاد وطني مكتفي ذاتياً سيضمن للمجتمع المساواة من النواحي الاقتصادية والأمور السيادية واستقرار العلاقات الدّولية. [1]
الاكتفاء الذاتي في الفلسفة: يتفق أرسطو ورواد الفلسفة الرواقية على أن الاكتفاء الذاتي سبب من أسباب السعادة بالرغم من الاختلاف في بعض النقاط، لكن الرأي الراجح هو رأي الرواقيون الذين عُرفت عنهم البراعة بتحديد الأشياء بقيمتها الصحيحة، عادّين الفضيلة من الأمور التي تأتي تحت سيطرتهم وعلى رأسها الفضائل (الحكمة – العدالة – الشجاعة – الاعتدال) التي ترتبط مباشرةً بفكرة الاكتفاء الذاتي.
ركز الفلاسفة الرواقيون في أهمية التعرف على ما يكون تحت سيطرتهم أو خارجها وما يقع بينهما، إلا أن التركيز الأقوى على الأشياء الواقعة بنطاق سيطرتهم وقد تجلى ذلك في تحديد الفضائل سالفة الذّكر التي تحقق الاكتفاء الذاتي كميزة ينبع منها باقي الفضائل، علماً أن التركيز على أشياء خارجة عن السيطرة يخلق شعور الضعف والتقييد ما يجعل الحفاظ على الاكتفاء الذاتي وإعطاؤه الأولوية ضرورة ملحة لخلق الرفاهية والمرونة والاستقلالية والقوة. [2]
تعريف الاكتفاء الذاتي الغذائي
يُعرّف الاكتفاء الذاتي الغذائي بالمدى الذي يُمكن الوصول إليه في مستوى تلبية احتياجات الشعوب من الغذاء الاساسي من قبل الحكومات المحلية ومن الناتج المحلي.
تاريخياً تمثّل مفهوم الاكتفاء الذاتي وتأثيره على الأوطان بمدى الارتباط الوثيق بين النّاتج المحلي وبين حاجة الشعوب من السلع والخدمات بغض النظر عن ماهيتها بما في ذلك الغذاء، علماً أنّ مصطلح الاكتفاء الذاتي الغذائي من المصطلحات الشائعة الاستخدام لكن تعريفه لم يكن واضح المعالم من قبل مستخدميه لاختلاف وجهات النظر به، إلا أن التعريف سالف الذي أتاحته منظمة الأغذية والزراعة خلال العام (1999) كان الأقوى كونه غطى كاف جوانب ومعطيات هذا المفهوم.
يتمثل الهدف من التعريف بتحديد الدولة القادرة على انتاج ما يعوزها من الغذاء كتلبية لاحتياجاتها الخاصة، وهي فكرة الاكتفاء الذاتي الغذائي الأساسية، إلا أنّ بعض الجوانب لا تزال يشوبها الغموض فلا يبين التعريف سعي الدولة لتحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي إذا كانت تشارك بتجارة المواد الغذائية مع دول أخرى، أي أنه لا يتطرق إلى السياسات الحكومية.
لذا قام بعض المحللين بتقديم تعريف الاكتفاء الذاتي الغذائي كأنه البلد الذي يتلافى أشكال تجارة المواد الغذائية مع اعتماده الكامل على الإنتاج المحلي في إشباع احتياجاته الغذائية، أي أنّ الدولة ستغلق حدودها متبنيةً الاكتفاء الذاتي بنسبة 100 % لقطاعها الغذائي لكن هذا التعريف يتنافى مع الدور السائد للتجارة في تنمية الاقتصاد العالمي حالياً، فطرح تعريف بديل يقتضي أنّ إنتاج الغذاء المحلي يجب أن يساوي 100 % من الاستهلاك الغذائي أو يزيد عنه، كي لا يتم استبعاد التجارة من ميدان الاقتصاد الوطني. [3]
أهمية تحقيق الاكتفاء الذاتي
- تحقيق ما يكفي من الرفاهية.
- تقليل التكاليف.
- توفير الإشباع الخارجي.
- انعكاس الفوائد على الجميع.
- الاكتفاء الذاتي يحد من البصمة البيئية الصافية.
- طبيعيّة الاكتفاء الذاتي.
تتمثل أهمية الاكتفاء الذاتي بكونه ينعكس على الفرد وعلى المجتمع بجملة من الفوائد والإيجابيات، والتي تتلخص عموماً بما يلي:
تحقيق ما يكفي من الرفاهية: فالمعيار الأساسي في الاكتفاء الذاتي إدراك ما يكفي من الاحتياجات، وفي حال تبين أن هناك قدرة لتقليص الاحتياجات المادية سيمكن التمييز بين الاحتياجات الفعلية واحتياجات الرفاهية.
تقليل التكاليف: فأداء بعض المهام لتغطية الاحتياجات الشخصية سيوفر المزيد من المال أو العمل، ويجعل أسرتك مكتفية ذاتياً.
توفير الإشباع الخارجي: عبر استثمار أفكار الاقتصادات الحديثة التي تضمن الإشباع الدّاخلي جراء تحقيق الاكتفاء الذاتي، وهو أمر مرضي ومثالي كمن يزرع الخضروات في حديقة منزله أو يصنع ملابسه بنفسه.
انعكاس الفوائد على الجميع: فثمار الاكتفاء الذاتي لا يعني أن الفرد يمضي قدماً بمفرده بل سوف تدعم بشكل متبادل، وهي الثقافة التي يجب تنميتها لتحقيق المنفعة العامة خاصةً في ظل تزايد التنافس على المكانة وتضائل الثقة في المجتمع.
الاكتفاء الذاتي يحد من البصمة البيئية الصافية: فأي نشاط يقوم به الفرد بغرض الاكتفاء الذاتي يقلل من بصمته الخاصة.
طبيعيّة الاكتفاء الذاتي: فصحيح أنّه عمل إلا إنه أكثر طبيعية وأقل تجريدية من بقية الوظائف الأخرى مدفوعة الأجر، وهو ما ينبغي تشجيع الأطفال عليه من قبل الآباء وتعليمهم معنى الاكتفاء الذاتي وكيفية تحقيقه. [4]
كيفية تحقيق الاكتفاء الذاتي
- زراعة حديقة.
- تعلم كيفية التسميد.
- حفظ البذور.
- جمع مياه الأمطار.
- الطاقة المتجددة.
- الصيانة المنزلية.
إنّ تحقيق الاكتفاء الذاتي يبدأ من ثقافة الفرد وتفهمه الفرق بين الامن الغذائي والاكتفاء الذاتي عبر بناء طبقات من المعرفة والخبرة وصولاً إلى تحقيق الأمن الغذائي بالمجتمع، وهو ما يمكن بالسعي الصّادق لإعانة الذات والحكومة بآن واحد على إشباع ما يحتاج أو تحتاج من الغذاء، والأمثلة كثيرة عن السبل لهذا ونذكر منها:
زراعة حديقة: انطلاقاً من مبدأ استثمار المساحات الفارغة للمساهمة في تأمين الطعام الخاص كالطماطم أو بعض الأعشاب، ما يضمن وجود أطعمة صحية في متناول الأيدي.
تعلم كيفية التّسميد: للحد من النفايات أو استعمال الأسمدة الجاهزة، من خلال استثمار فاعلية بقايا الخضار وبعض المنتجات التي انتهت الحاجة لها لصنع سماد محلي وبأقل التكاليف.
حفظ البذور: للتقليل من فكرة شراء المزيد منها وقت الحاجة للزراعة كطريقة دورية في الإنتاج والنّمو في الحقل مهما كان حجمه.
جمع مياه الأمطار: لاستثمارها في الري للمزروعات والتوفير في استهلاك المياه خاصةً في حالات ندرتها.
الطاقة البديلة: فاستخدام ألواح الطاقة المتجددة طريقة مثالية لتحقيق الاكتفاء الذاتي عبر تزويد البيت أو مكان العمل بالطاقة دون أي استهلاك للوقود الأحفوري.
الصيانة المنزلية: فإصلاح الأشياء الأساسية بنفسك كالطاولة أو الكرسي أو أي عطل بسيط في السيارة أفضل من استدعاء شخص ليقوم بالمهمة عوضاً عنك مما سيجعلك مكتفياً ذاتياً. [5]
تحديات الاكتفاء الذاتي
- محدودية الوصول للأسواق العالمية.
- عدم الكفاءة وارتفاع التكاليف.
- الافتقار إلى التخصص والابتكار.
تركز مواضيع الاكتفاء الذاتي على الجانب الاقتصادي بشكل دائم، لكن أبرز التحديات في هذا الصدد هو إمكانية تطبيق مبادئ وبرامج ونظريات الاستقلال الاقتصادي على أرض خاصة في ظل تنامي صعوبات وإعاقات النمو الاقتصادي والتنمية، وبهذا نجد أن الاكتفاء الذاتي لا يحقق فقط الفوائد بل هناك بعض السلبيات والتحديات، والتي تتمثل بـ:
محدودية الوصول للأسواق العالمية: وهو من عوائق الاكتفاء الذاتي الكبيرة كونه يقيد وصول الحكومة إلى الأسواق العالمية عبر الحد من التجارة مع الدول الأخرى، مما يضعف فرص النمو والابتكار.
عدم الكفاءة وارتفاع التكاليف: من مطالب الاكتفاء الذاتي تحويل الموارد إلى الصناعات والتي قد تكون قدرتها ضعيفة في المنافسة أو مستويات الكفاءة بطبيعتها، مما يسبب زيادة تكاليف الإنتاج وتراجع مستويات الإنتاجية الإجمالية، وبالتالي وصول المنتجات الغذائية بأسعار باهظة بالنسبة للمستهلكين.
الافتقار إلى التخصص والابتكار: فالاكتفاء الذاتي سيعيق أعمال التخصص والابتكار كونه يقلل من فرص التعرف على المعطيات الحديثة في عالم التقنيات والاستفادة من الخبرات العالمية، عبر عزل الدولة نفسها عن الأسواق الدّولية، والتي ستتركز اهتماماتها على إنتاج سلع وخدمات تتمتع بميزة نسبية، وهذا النقص الاختصاصي يعيق النمو الاقتصادي بشكل عام. [6]


مع تطور العولمة والتقدم التكنولوجي أصبح الاكتفاء الذاتي أمراً نادراً في العالم الحديث