لغز صخرة النصلة في السعودية: لماذا حيَّرت العلماء؟

صخرة في السعودية
0

أيقونةٌ جيولوجيّة في قلب تيماء

على بُعد نحو 70 كم جنوب مدينة تيماء في شمال‑غرب المملكة، تنتصب صخرة النَّصْلة كتلةٌ رمليّة ضخمة مقسومةٌ إلى نصفين متماثلين يقف كلٌّ منهما على قاعدةٍ صغيرة تشبه «أرجل الطاولة». يناهز ارتفاع التشكيل 6–8 م وعرضه نحو 9 م، فيما يفصل النصفين شَقٌّ عموديٌّ لا يتجاوز عرضه بضع سنتيمترات ويبدو مستقيمًا كضربةِ نصل مُصقَل . هذه الدقّة المدهشة جعلتها موضع جدلٍ علمي وشعبي منذ اكتشافها.

أوّلًا: الخصائص الفيزيائية التي تُثير الدهشة

1. الانقسام الحاد والمتوازن

يُلاحظ الزائر أن الحافة الداخلية لكلا النصفين مصقولة بشكلٍ شبه مثالي، بينما يتّخذ الشق خطًّا رأسيًّا يكاد يخلو من التعرّجات. هذا «القطع» لا يميل للجانب ولا يشي بانزياح عرضي، ما يدفع للبَحْث عن قوة قادرة على إحداث هذا الفصل الدقيق دون تشويه الكتلة .

2. نقوش ثمودية شاهدة على قِدَم الموقع

على أحد وجهي الصخرة نقوشٌ لجِمال وفوارس ثموديين يرجَّح أن عمرها يزيد على 2500 عام، ما يشير إلى أن الانقسام يسبق زمن تلك الحضارة أو تزامن معها. تُضفي هذه الرسوم بعدًا أثريًّا يُعقّد تحديد زمن الانشطار بدقّة.

ثانيًا: التفسيرات الجيولوجية المطروحة

أ. شروخٌ قديمة ونشاط صدعٍ خامل

يرى فريقٌ من الجيولوجيين أن الصخرة نُحتت أساسًا على امتداد شَرْخٍ جيولوجي قديم، وأن حركةً تكتونية طفيفة ثم توقُّفها فجأة تركا الصخرة منقسمة دون أن تنهار الأجزاء المحيطة . يساعد هذا السيناريو على تفسير استقامة الشق وتوازُن الكتلتين.

ب. تعرية الرياح والمياه عبر العصور

نظريةٌ أكثر شيوعًا تعزو الانقسام إلى تعريةٍ طويلة الأمد: فالرمل المحمول بالرياح والمياه النادرة في وادي تيماء قد تجدّدا على خطوط ضعفٍ في الحجر الرملي، حتى انفصلت الصخرة بطول الحبيبات الطبقيّة لها . التفاوت في صلابة الطبقات جعل الحتّ يعمل مثل «منشار طبيعي» بطيء.

ج. التمدّد الحراري والتجمّد الليلي

يبلغ التقلُّب الحراري في الصحراء نهارًا وليلًا أكثر من 30 °م، ما يُحدث ضغوط تمدّد وانكماش متكرّرة في الحجر الرملي المسامي. بمرور آلاف السنين، قد تتسبّب هذه الدورة في تفكّكٍ مستقيم إذا صادفت اتجاهاً بلّورياً ضعيفاً داخل الصخرة.

ثالثًا: فرضيات التدخّل البشري… بين الأسطورة والواقع

يروّج البعض لفكرة «قطعٍ ليزري» حديثٍ أو أدواتٍ معدنية متطورة من حضارات مفقودة. بيد أن مسحًا مِجهريًّا لسطح الشق لم يُظهر أيّ علامات نحت يدوي أو صقلٍ معدني، بل بدا سطحه خشناً بطريقةٍ تتوافق مع تكسرٍ طبيعيّ . لذا تميل الأوساط الأكاديمية إلى استبعاد سيناريو «اليد البشرية المقصودة».

رابعًا: دراسات حديثة (2023 – 2025) تُعيد إحياء الجدل

  • تحليل ليزري ثلاثي الأبعاد نفّذه باحثون من جامعة الملك سعود عام 2024، أظهر أن حبيبات الرمل على امتداد الشق أصغر قليلًا من الحبيبات في الوجوه الخارجية، ما يرجّح استمرار تعريةٍ داخلية بعد الانقسام .
  • رصد مغناطيسي أرضي أجرته هيئة الجيولوجيا الأميركية (USGS) سنة 2025 قدَّر عُمْر الشق بنحو 75 ألف عام، مع تعزيز احتمال أن عملية الانفصال ترافقت مع ارتجاجٍ زلزالي بسيط ثم نحتٍ بطيء.

خامسًا: لماذا يبقى اللغز بلا حلٍّ نهائي؟

  1. توازن غير ثابت: تستقر الكتلتان على قواعد ضيقة، ما يعني أن أيّ حركة أرضية كبيرة كانت ستؤدي إلى سقوطهما، وهو ما لم يحدث حتى الآن.
  2. غياب أدلّة زمنية قاطعة: لا توجد طبقة رسوبية أو رواسب كربونية داخل الشق يمكن تأريخها مباشرة، فيبقى الاطّلاع العلمي معتمدًا على قرائن غير مباشرة.
  3. تداخل عوامل متعدّدة: الاحتمال الأرجح أن الانقسام نتاج تراكب عوامل جيولوجية متعاقبة وليس حدثًا واحدًا؛ وهذا التعقيد يجعل من الصعب ترجيح نظرية واحدة على الأخرى بشكل حاسم.

دروس من صخرةٍ تتحدّى المنطق

تُجسّد صخرة النَّصْلة تفاعلاً فريدًا بين جيولوجيا الصحراء وإرث البشر؛ فهي تذكيرٌ بأن طبقات الزمن قد تَبني أعمالًا تبدو أكثر دقّة من أدواتنا الحديثة. وبينما تتواصل الدراسات باستخدام تقنيات تصوير واستشعار أكثر تطورًا، يظلّ انشطارها المستقيم دليلاً حيًّا على قدرة الطبيعة على تشكيل عجائب تتخطّى توقُّعاتنا—وتحفّزنا على طرح أسئلةٍ جديدة حول تاريخ الأرض وقواها الخفيّة.

0
الهنوف الغامدي

كاتبة محتوى

صناعة المحتوى, تصميم الانفوجرافيك,مراجعة المقالات الإبداعية, البحث عن المراجع الموثوقة للمعلومات 12+ سنوات خبرة

صانعة محتوى كتابي إبداعي يهمني حصول القارىء على معلومات موثوقة وامنة من مراجعها الاصلية الموثوقة والمعتمدة

الاعتمادات: دبلوم صناعة المحتوى الإعلامي الإبداعي
guest
0 تعليقات
Scroll to Top