محتويات
سبق الإسلام حماة البيئة في المحافظة عليها
علمنا الإسلام تطبيق قاعدة هامة في الشرع وهي كما قال عنها النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- أن المؤمنين كالجسد الواحد، فإن المحافظة على البيئة هي مصلحة عامة وليست خاصة، لذلك يجب على كل مسلم الحفاظ على سلامة جماعة المسلمين وألا يعمل على إضرار البيئة لأنه يضر بباقي المسلمين وأيضًا أي إنسان في الكوكب، ويتعامل المجتمع الغربي الآن بكل الاهتمام لرفع شعارات المحافظة على البيئة، ويعقد المؤتمرات هنا وهناك في ريو دي جانيرو و جاهكسبورغ للحد من تلوث المناخ والتغيرات المناخية الناتجة عن مخلفات المصانع وأدخنته الضارة للبيئة.
ومنذ تأسيس منظمة الصحة العالمية وهي اهتمامها منصبًا على الصحة والبيئة لما للبيئة من مكانة هامة في حياة أي إنسان يعيش على هذا الكوكب، وعلمنا الإسلام أن البيئة هي صحتنا وهواؤنا وطعامنا وإن فسدت فقد فسدت صحة الإنسان، ولكن مع كل هذا الاهتمام والدعاية للبيئة فقد سبق الإسلام حماة البيئة هؤلاء منذ قرون في الحفاظ عليها والتوجيه الإلهي لعباده في سلوكياتهم وإرشادهم في التعامل مع البيئة والماء والنبات بقاعدة فقهية أصيلة وهي “لا ضرر ولا ضرار” فلا تضر نفسك ولا تجلب الضرر لغيرك، فإن لم تتضرر أنت من تلويثك للمياه فيتضرر بها غيرك، وإن لم تتضرر من قطع الأشجار فيتضرر بها غيرك بعد سنين وحدوث ثقب الأوزون والاحتباس الحراري. [1]
الحفاظ على البيئة في ضوء القرآن الكريم
ومن يتدبر القران الكريم والسنة النبوية يجد العديد من الإرشادات الإلهية والنبوية تجاه الحفاظ على البيئة وعدم الإضرار بها، فنجد في القران الكريم تحذير متكرر لعدم الفساد في الأرض: ” كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ” والفساد في البيئة يدخل تحت بند الفساد في الأرض وقد خص القران نوع الفساد في الارض بتخريب الزرع والحيوان في قوله تعالى: “وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ”، وقد احتج الإمام ابن حزم بهذه الآية عندما قال: ” فمنع الحيوان ما لا معاش له إلا به من علف أو رعي، وترك سقي شجر الثمر والزرع حتى يهلكا، هو بنص كلام الله تعالى فساد في الأرض وإهلاك للحرث والنسل، والله تعالى لا يحب هذا العمل “.
وهنا ننتقل للقاعدة الفقهية الراسخة الشاملة وهي “لا ضرر ولا ضرار” فقد حث الاسلام على عدم الضرر بالنفس أو بالغير في كل شئ ليس فقط في تخريب البيئة وإنما كذلك في أذى النفس أو الإسراف في السرعة على الطريق لأنه يعد ضرر للنفس وضرر على الغير أيضًا فقد تفقد السيطرة وتأذي شخص آخر بحادثة وتتسبب في إصابته أو موته ونستدل هنا بقوله تعالي: “وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة” [1]
وجاء في كتابه الكريم في قوله تعالي: “وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ”، فهذه من نعم الله علينا الأشجار وثمارها وواجبنا هو الحفاظ عليها والعناية بتلك الشجرة، ويذكر العلم الآن فوائد زيت الزيتون والذي يعمل على زيادة عمر الشرايين بداخل الإنسان والمحافظة عليها. [2]
الحفاظ على الموارد البيئية في ضوء السنة النبوية
إن السنة النبوية مليئة بتوجيهات سلوك الإنسان تجاه البيئة وتجاه الصحة والأمراض وكذلك الزرع والثمار والمياه، فلم تترك السنة النبوية مورد من موارد البيئة لم توجه سلوك الإنسان في استخدامه بشكل رشيد ومتزن ونافع للغير وغير ضار بأي إنسان آخر.
وقد اهتم النبي -صلى الله عليه وسلم- وحث على الزروع والأشجار للحديث: “ما من مسلم يغرس غرسا، أو يزرع زرعا، فيأكل منه طير، أو إنسان، أو بهيمة إلا كان له به صدقة“، ولا يخفى على أحد أهمية الزرع والأشجار خصوصًا في زمننا هذا مع ذوبان الجليد وارتفاع درجة الحرارة وثقب الأوزون فهناك اتجاه عالمي لزرع الأشجار وتوسيع المساحة الخضراء في كل البلاد للتغلب على هذه المشاكل المناخية والتغلب على الاحتباس الحراري، فقد حثنا الاسلام على هذه السلوكيات والعادات من قبل ظهور تلك المشاكل بأكملها.
بل قد جاء نهي في إتلاف الأشجار وقطع النخيل في أصعب وأحلك الظروف وهي الحروب والمواجهة مع العدو فلم يترك الاسلام للمجاهدين فعل ما يحلو لهم بل تحكم في سلوكياتهم ومنها حفاظهم على البيئة برغم الحرب، وجاء أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه بعث جيوشاً إلى الشام، فخرج يتبع يزيد بن أبي سفيان رضي الله عنه، فقال:” إني أوصيك بعشر: لا تقتلن صبياً، ولا امرأة، ولا كبيراً هرماً، ولا تقطعن شجراً مثمراً، ولا تخربن عامراً، ولا تعقرن شاة، ولا بعيراً ، إلا لمأكله، ولا تغرقن نخلاً، ولا تخرقنه، ولا تغلل، ولا تجبن”، ومن هنا يتضح لنا أهمية الزراعة والبيئة وحث الإسلام على المحافظة عليها بل ويؤجر من يحافظ على هذه البيئة. [3]
كما حرم النبي تلويث الماء بمخرجات البدن التي تؤدي إلى العدوى والبكتيريا والأمراض كما جاء في الحديث: ” لا يبولن أحدكم في الماء الراكد” وحديث: ” “اتقوا اللاعنين” قالوا: وما اللاعنان؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس وفي ظلهم “، ولا يخفى على أحد أضرار تلويث المياه التي تؤدي إلى انتقال الأمراض وتلويث أيضًا الزرع لأنه يتم سقيه بتلك الماء، ويذكر هنا الحديث لفتة لطيفة لعدم التخلي في ظل الناس حيث أن هذا المكان لا تقع عليه الشمس لتطهره فيبقى مليئًا بالجراثيم والبكتيريا والرائحة الكريهة. [1]
وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” بينما رجل يمشي على طريق وجد غصن شوك، فقال: لأرفعن هذا لعل الله عز وجل يغفر لي به، فرفعه، فغفر الله له به، وأدخله الجنة “، فلم يكن توجيه سلوك الإنسان فقط هو ما جاء في الإسلام بل أن الجزاء في الآخرة ومضاعفة الحسنات والمغفرة ودخول الجنة هي جزاء إماطة هذا الأذى والحفاظ على تلك البيئة التي نعيش فيها ونأكل منها ونتغذى على ثمارها وحيواناتها وطيورها. [3]
وعن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال : “إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّبَ نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُودَ فَنَظِّفُوا أَفْنِيَتَكُمْ وَلا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ”، وهنا حث للمسلمين على الامتثال لأوامر الله، وحب الله للطيب والنظافة هو تشجيع لكل مؤمن ان يكون طيبًا ونظيفًا حتى يحبه الله، وبما أنه سيكون نظيفًا فهذا يعود بمنفعة وإيجابية على البيئة المحيطة به، فقد يغرس شجرة أو يزرع ثمار، أو يحافظ على المياه وترشيد استهلاكها وهذا يفيد العالم أجمع لأن المياه هامة لكل دول العالم، ونظافة المياه تعني نظافة الثمار والزروع ومياه الشرب. [4]

