محتويات
الناس للناس مادام الوفاء بهم
الناس للناس مادام الوفاء بهم .. والعسر واليسر أوقات وساعات
وأكرم الناس ما بين الورى رجل .. تقضى على يده للناس حاجات
لا تقطعن يد المعروف عن أحد .. ما دمت تقدر والأيام تارات
واذكر فضيلة صنع الله إذ جُعِلتْ .. إليك لا لك عند الناس حاجات
قد مات قوم وما ماتت فضائلهم .. وعاش قوم وهم في الناس أموات
نُسبت تلك الأبيات إلى الشّاعر الفقيه الإمام الشّافعيّ، وهو صاحب المذهب الشّافعي الإسلاميّ، عُرف باسمه كاملاً “أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعيّ المطَّلِبيّ القرشيّ” كما اشتهر بذكاءهِ الحاد وفصاحة لسانه، لذا أضاف من عمله الذّخير إلى علوم الدين وعلم التفسير والحديث.[1]
قصة الناس للناس مادام الوفاء بهم
قِيِلَ أنّه في يومٍ من الأيام قام إحدى الخُلفاء باستدعاء بعضًا من الشّعراء، وكان بين هؤلاء الشّعراء شاعرًا فقيرًا في يديهِ جرةً فارغةً، إذ كان قاصدًا النّهر حتى يملؤها بالماء لكنه رأى مجموعة الشّعراء فقرر مصاحبتِهم إلى قصر هذا الخليفة، وبمجرّد وصول الشّعراء أكرمهم الخليفة وأحسنّ ضيافتهم على أكمل وجه.
لكنه سرعان ما رأى الشّاعر الفقير حاملاً في يدهِ الجرة الفارغة، مرتديًا ثيابًا قديمة بالية، فسأله الخليفة قائلاً “من أنت؟ وماذا تريد؟ فجاءه رد الشّاعر الفقير قائلاً: “ﻭﻟﻤﺎ ﺭﺃﻳﺖُ ﺍﻟﻘﻮﻡَ ﺷﺪﻭﺍ ﺭﺣﺎلهم .. ﺇﻟﻰ ﺑﺤﺮِﻙ ﺍﻟﻄَّﺎﻣﻲ ﺃﺗﻴﺖُ ﺑِﺠﺮﺗّﻲ” فأمر الخليفة رجاله أن يملأوا للشاعر جرته بالذهب والفضّة، فحسده الحاضرين فقام أحدهم قائلاً “هذا الرجل الذي يقف أمامك ما هو إلا مجنون وفقير لا يعرف قيمة المال الموجود بين يديه” فقال الخليفة “بل هذا مالهُ يفعل به ما يشاء لا علاقة لنا به”.
عندما ملئ رجال الخليفة جرة الشّاعر الفقير بالذهب والفضة، ذهب الشّاعر وقام بتوزيع كل ما لديه من ذهب وفضة على الفقراء، ولمّا وصل الأمر إلى الخليفة طلب من رجاله أن يستدعوه إلى القصر، وعندما وصلَ سأله الخليفة عما فعله في الذهبِ والفضّة، فأجابه الشّاعر الفقير قائلاً “ﻳﺠﻮﺩ ﻋﻠﻴﻨﺎ ﺍﻟﺨﻴّﺮﻭﻥ ﺑﻤﺎﻟﻬﻢ .. وﻧﺤﻦ ﺑﻤﺎﻝ ﺍﻟﺨﻴّﺮﻳﻦ ﻧﺠﻮﺩ”.
أعُجب الخليفة للغاية بردِ الشّاعر وحينها أمر جنوده أن يملؤا له جرته مرة أخرى بالذهب والفضة، ولكن عشرة أضعاف ما سبق حيثُ قال الخليفة أنَّ الحسنة بعشرةِ أمثالها، وما كان من الشّاعر الفقير إلا أن يُردد له تلك الأبيات التالية التي هزّت قلب الخليفة وجنوده:
ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻟﻠﻨﺎﺱ ﻣﺎﺩﺍﻡ ﺍﻟﻮﻓﺎﺀ ﺑﻬﻢ .. ﻭﺍﻟﻌﺴﺮ ﻭﺍﻟﻴﺴﺮ ﺃﻭﻗﺎﺕ ﻭﺳﺎﻋﺎﺕ
ﻭﺃﻛﺮﻡ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻣﺎ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻮﺭﻯ ﺭﺟﻞ .. ﺗﻘﻀﻰ ﻋﻠﻰ ﻳﺪﻩ ﻟﻠﻨﺎﺱ ﺣﺎﺟﺎﺕ
ﻻ ﺗﻘﻄﻌﻦ ﻳﺪ ﺍﻟﻤﻌﺮﻭﻑ ﻋﻦ ﺃحد .. ﻣـﺎ ﺩﻣﺖ ﺗـﻘﺪﺭ ﻭﺍﻷﻳﺎﻡ ﺗﺎﺭﺍﺕ
ﻭﺍﺫﻛﺮ ﻓﻀﻴﻠﺔ ﺻﻨﻊ ﺍﻟﻠﻪ ﺇﺫ ﺟﻌﻠﺖ .. إﻟﻴﻚ ﻻ ﻟﻚ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺣﺎجاﺕ
ﻗﺪ ﻣﺎﺕ ﻗﻮﻡ ﻭﻣﺎ ماﺗﺖ ﻓﻀﺎﺋﻠﻬﻢ .. ﻭﻋﺎﺵ ﻗﻮﻡ ﻭﻫﻢ ﻓﻲ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﺃﻣﻮﺍﺕ [2]
شرح قصيدة الناس للناس مادام الوفاء بهم
قصدَ الإمام الشافعيّ من قصيدة الناس للناس مادام الوفاء بهم، أنَّ الناس لا بد أن يكونوا دائمًا في عونِ بعضهما البعض، وأنّ القادر يستطيع قضاء حاجات الناس لأنَّ الأيام دول فما دومت تقدر لا تتأخّر عن مساعدة غيرك، فالوفاء للناس أحد السّمات والفضائل التي يتمتّع بها البشر.
من هو قائل الناس للناس مادام الوفاء بهم
الإمام الشافعيّ.
الإمام الشافعيّ هو صاحب قصيدة الناس للناس مادام الوفاء بهم، حيثُ عُرف عنهُ فصاحته وبلاغته، وقدرته الفائقة على إلقاء أبيات الشّعر التي تحمل معانٍ عظيمة.[1]
الناس للناس مادام الوفاء بهم تشكيل
اَلنَّاس لِلنَّاسِ مَادَامَ اَلْوَفَاءُ بِهُمْ .. وَالْعُسْرِ وَالْيُسْرِ أَوْقَاتَ وَسَاعَاتِ
وَأَكْرَمْ اَلنَّاسِ مَا بَيْنَ اَلْوَرَى رَجُل .. تَقْضِي عَلَى يَدِهِ لِلنَّاسِ حَاجَاتٍ
لَا تَقْطَعْنَ يَدُ اَلْمَعْرُوفِ عَنْ أَحَدِ .. مَا دُمْتُ تُقَدِّرُ وَالْأَيَّامَ تَارَاتِ
وَاذْكُرْ فَضِيلَةَ صُنْعِ اَللَّهِ إِذْ جَعَلَتْ .. إِلَيْكَ لَا لَكَ عِنْدَ اَلنَّاسِ حَاجَاتٍ
قَدْ مَاتَ قَوْمٌ وَمَا مَاتَتْ فَضَائِلَهُمْ .. وَعَاشَ قَوْمُ وَهُمْ فِي اَلنَّاسِ أَمْوَاتٍ
من اجمل قصائد الإمام الشافعي
قدّم الإمام الشافعيّ الكثير من القصائد التي لاقت رواجًا كبيرًا، ومنها ما يَتردد إلى يومنا هذا، نظرًا لما تميّز به من أسلوبٍ سلسل ومعانٍ بسيطة لكنها عميقة وتعكس طبيعة القصيدة:
قصيدة اِحفَظ لِسانَكَ أَيُّها الإِنسانُ:
اِحفَظ لِسانَكَ أَيُّها الإِنسانُ .. لا يَلدَغَنَّكَ إِنَّهُ ثُعبانُكَم
كم في المَقابِرِ مِن قَتيلِ لِسانِهِ .. كانَت تَهابُ لِقاءَهُ الأَقرانُ
قصيدة يا واعِظَ الناسِ عَمّا أَنتَ فاعِلُهُ:
يا واعِظَ الناسِ عَمّا أَنتَ فاعِلُهُ .. يا مَن يُعَدُّ عَلَيهِ العُمرُ بِالنَفَسِ
اِحفَظ لِشَيبِكَ مِن عَيبٍ يُدَنِّسُهُ .. إِنَّ البَياضَ قَليلُ الحَملِ لِلدَنَسِ
كَحامِلٍ لِثِيابِ الناسِ يَغسِلُها .. وَثَوبُهُ غارِقٌ في الرِجسِ وَالنَجَسِ
تَبغي النَجاةَ وَلَم تَسلُك طَريقَتَها.. إِنَّ السَفينَةَ لا تَجري عَلى اليَبَسِ
رُكوبُكَ النَعشَ يُنسيكَ الرُكوبَ عَلى .. ما كُنتَ تَركَبُ مِن بَغلٍ وَمِن فَرَسِ
يَومَ القِيامَةِ لا مالٌ وَلا وَلَدٌ .. وَضَمَّةُ القَبرِ تُنسي لَيلَةَ العُرسِ
قصيدة أَعرِض عَنِ الجاهِلِ السَفيهِ:
أَعرِض عَنِ الجاهِلِ السَفيهِ .. فَكُلُّ ما قالَ فَهُوَ فيهِ
ما ضَرَّ بَحرَ الفُراتُ يَوماً .. إِن خاضَ بَعضُ الكِلابِ فيهِ
قصيدة لا خَيرَ في حَشوِ الكَلامِ:
لا خَيرَ في حَشوِ الكَلامِ .. إِذا اِهتَدَيتَ إِلى عُيونِهِ
وَالصَمتُ أَجمَلُ بِالفَتى .. مِن مَنطِقٍ في غَيرِ حينِهِ
وَعَلى الفَتى لِطِباعِهِ .. سِمَةٌ تَلوحُ عَلى جَبينِهِ [1]

