محتويات
أشهر المناظرات في التاريخ
من أشهر المناظرات في التاريخ مناظرة ابن عباس للخوارج، وهكذا أيضاً مناظرة سيبويه والكسائي فكانت أشهر المناظرات في العصر العباسي.
إن مناظرة ابن عباس للخوارج هي أشهر المناظرات التاريخية؛ إذ قال: “لما خرجت الحرورية على علي، جعل يأتيه الرجل، فيقول: يا أمير المؤمنين! القوم خارجون عليك”.
قال: “دعوهم حتى يخرجوا”.
وقد قال ابن العباس في الخوارج عند رؤيتهم: “ما أتيت قوماً أشد اجتهاداً منهم، مُسهِمة وجوههم من السهر، كأن أيديهم وركبهم تثنى عليهم”، ثم أردف وقال لهم: “هاتوا ما نقمتم على أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وابن عمه”.
فقالوا: 3 أشياء هي:
- إنه حكم الرجال في أمر الله، وقال الله: “إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للهِ”، فما شأن الرجال والحكم؟
- كما أنه قاتل ولم يسب ولم يغنم، فإن كانوا كفاراً حل سيبهم، وإن كانوا مؤمنين ما حل سيبهم ولا قتالهم.
- محا نفسه من أمير المؤمنين؛ فإن لم يكن أميراً للمؤمنين فهو أميراً للكافرين.
وجاء الرد على كلماتهم هذه من ابن العباس؛ فقال لهم ما كان سبب رجوعهم إلى دينهم:
- أولاً: قال المولى: “وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا” وهنا أجاز المولى بحكم الرجال ذو الحكمة في إصلاح ذات البين.
فردوا عليه بأنه أصاب.
- ثانياً: أتسبون أمكم عائشة؟ وتستحلون منها ما تستحلون من غيرها وهي أمكم؟
فإن كان جوابكم “نستحل منها ما نستحل من غيرها فقد كفرتم”.
وإن كان الجواب: “ليست بأمنا فقد كفرتم”؛ فتعجبوا من دهائه وقالوا له: “أصبت”.
- ثالثا: ذكر لهم قول النبي -صلى الله عليه وسلم- حين قال يوم الحديبية: “يا علي، هذا ما صالح عليه محمد رسول الله” فقال المشركون لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-، فرد عليهم: “امح يا علي، اللهم إنك تعلم أني رسول الله”.
وأكمل ابن العباس فقال: والله إن رسول الله لم يخرجوه من النبوة حين محا نفسه، فردوا أصبت. [1]
أشهر المناظرات في العصر العباسي
تُعد مناظرة سيبويه والكسائي المعروفة بالمسألة الزنبورية من أشهر المناظرات في العصر العباسي.
في عهد هارون الرشيد دُعي سيبويه إلى مناظرة نحوية كممثل للمدرسة البصرية، ومعه الكسائي كممثل للمدرسة الكوفية.
وبمجرد أن وصل سيبويه إلى مكان المناظرة استفزاه تلميذا الكسائي؛ وهما:
- أبو الحسن الأحمر.
- والفراء.
وقد سألاه عن عدة مسائل، وكلما أجاب عن واحدة كان ردهما “أخطأت”، فغضب سيبويه وقال لهما: “هذا سوء أدب منكما، فلن أكلمكما حتى يأتي صاحبكما.
ثم حضر الكسائي، وقد تناقشا في مسائل عديدة أجاب عنها ببراعة نحوية؛ وبعدها جاءت الفقرة الأشهر في تاريخ هذه المناظرة، فقد اشتهرت بالمسألة الزنبورية، ويُقال أنها سبباً في وفاة سيبويه.
سأل الكسائي سيبويه: “كنت أظن أن العقرب أشد لسعة من الزنبور؛ فإذا هو هي أم فإذا هو إياها؟”
أجاب سيبويه: “فإذا هو هي ولا يجوز النصب”.
وهنا أوقفه الكسائي فقال: “لقد لحنت يا سيبويه؛ بل الصحيح النصب فإذا هو إياها”.
والحقيقة أن إجابة سيبويه كانت صحيحة، فقد اعتمد على قول الله تعالى: “ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين”، فهي: مبتدأ، وبيضاء: خبر، ولا يوجد في اللغة العربية فإذا هي إياها.
وقد اختلف كلاهما في الرأي، وحكم بينهما مجموعة من الأعراب الذي ينطقون اللغة السليمة بالفطرة، ونظراً لأنهما كانا في بلدة الكسائي، وكانوا يتحدثون أمام هارون الرشيد فكان ردهم على الأمر أن الإجابة الصحيحة هي تلك الخاصة بالكسائي.
ولكن سيبويه لم يقتنع وطلب منهم أن ينطقوا الجملة بأنفسهم، فلم تطاوعهم ألسنتهم على نطق الخطأ؛ مما يدل على صحة إجابة سيبويه. [2]
مناظرة بين العلم والجهل
أسرد محمد الديسي كلمات تظهر كما لو أنها مناظرة بين العلم والجهل؛ فقال:
“قام العلم و قد شاخ وأسن وأدركه الضعف والوهن، يتوكأ على عكاز، في رثة حال، وأطمار وإسبال، فبسمل وحمدل وحسبل وحوقل، وصلى وسلم، على خير من علم فعلم.
وقال يا جهل ما أنت لخطابي بأهل، ولا جدالي عليك بسهل يا ميت الأحياء، ويا قليل الحياء، ويا سبب تفليس إبليس، ويا حلية كل دني وخسيس.
كيف تكون لي أنت المجاري؟ والعلم صفة الباري، وميراث الأنبياء، ويكفيك لو كنت من قوم يفهمون، قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.
وجاء في السنة العالم والمتعلم والعلم في الجنة، وأنت يا جهل بسيطك عدم، ومركبك موجود لا يثبت له قدم.
ومن معلوماتي التفسير والحديث،المعظمان في القديم والحديث، وعلم التوحيد الذي هو لباب الجنة إقليد، وإلي ترجع الأربعة الأركان التي بها شرف الإنسان: علوم الأديان، وعلوم الأبدان، وعلوم الأذهان، وعلم اللسان.
ويكفي الجهل قبح وسمه، ولكل مسمى حظ من اسمه. يخبط خبط عشواء، ويركب متن عمياء. ويتصور الأشياء على خلاف ما هي عليه، وكل شر في الدنيا منسوب إليه.
وبالعلم تدرك المراكب الفاخرة، وتنال السعادة الدنيا والآخرة. يزيد بالإنفاق، ووقع على فضله الاتفاق، مُعظم في كل ملة، وبه تقوم قواعد كل نحلة. بنوه السادة، ولأهل الدنيا والآخرة قادة”.
واستمر العلم في سرد محاسنه إلى أن جاء دور الجهل فأبرق وأرعد، ووعد وأوعد؛ ثم قال له:
“يا علم، ما هذا الإفراط في الظلم؟! أتكافحني في إقبال دولتي؟ وتنافحني في أيام صولتي؟! أما ترهب بأسي وشدة شكوتي؟ وبيدي المناصب، وأنا الرافع والناصب والمتصرف في الحكام، وإلي مرجع الأحكام، والنقض والإبرام، والقهر والإلزام!
وإن كنت قديماً أسكن الأطراف، وأستوطن الكفور والأرياف، فالآن قد ملكت الأمصار، وملأت الأقطار، وخفقت في الخافقين بنودي، ألم تسمع ما يتلون: “والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون””.[3]
مناظرات الفقهاء
قدم الشيخ عبدالرحمن السعدي في كتابه “المناظرات الفقهية” عدداً من مناظرات الفقهاء التي تخيلها تدور بين رجلين سماهما:
- المتوكل على الله.
- المستعين بالله.
وفي أحد المناظرات التي تكلمت عن حكم من صلى وقد نسي النجاسة على بدنه أو ثوبه دار بينهما الحوار الآتي:
قال المتوكل على الله: من فرغ من صلاته ثم وجد على بدنه أو ثوبه نجاسة نسيها أو جهلها فإن عليه الإعادة؛ لأن التطهر أحد شروط الصلاة، فمن صلى بنجاسته جاهلاً أو ناسياً عليه الإعادة.
بينما رد عليه المستعين بالله: أنه لا إعادة هنا لأن الله قد عفا عن الناسي والجاهل.
وأيد رأيه بما ثُبت عن نبي الله محمد -صلى الله عليه وسلم- حين بدأ صلاته ثم أخبره جبريل أن نعليه بهما نجاسة؛ فخلعمها أثناء الصلاة ولم يقطعها.
وأكد كلامه بقول الإمام الخطابي في كتاب (معالم السنن) إذ يقول: من الفقه أن من صلى وفي ثوبه نجاسة لم يعلمها؛ فإن صلاته مجزية ولا إعادة عليه”.
واسترسل كلامه فقال: إن مساواة نسيان النجاسة بنسيان الطهارة أمر غير صحيح، لأن شرط القياس اجتماع الأصل والفرع في علة واحدة، وقصد هنا أن:
- نسيان الطهارة من باب فعل المأمور الذي لا تبرأ الذمة إلا بالإتيان به.
- أما نسيان الطهارة فمن باب فعل ترك المحظور، وهذا نوع قد عفا المشرع فيه عن النسيان ونحوه.
وقد أشار المستعين بالله إلى أمرين هما للتدليل على كلامه؛ وهما:
- أن الله عفا عمن أكل في صومه ناسيا؛ رغم أن ترك المفطرات من شروط الصوم.
- كما عفا الله ن المتكلم في صلاته جاهلاً للحكم أو الحال؛ فلا يأمره المولى بالقضاء مرة أخرى ما دام معذوراً بجهله.
وبالنظر إلى قول كلا الرجلين نلاحظ أن مصادر الشريعة ومواردها تتوافق مع قول المستعين بالله؛ إذ ورد في المصادر الشريعة أن:
- من نسي فترك المأمور فلا بد له من فعله.
- ومن نسي ففعل المحظور فإنه غير آثم ولا إعادة عليه، بل وتقع عبادته صحيحة. [4]

