محتويات
كيف شكّلت الأفلام الأجنبية ملامح صناعة السينما السعودية؟
1. من قاعات السينما العالمية إلى الشاشات المحلية
بعد رفع الحظر عن دور العرض في أبريل 2018، وجدت المملكة نفسها أمام جمهورٍ متعطّش لما كان يشاهده عبر الأقراص أو المنصّات. تصدّرت الأفلام الأجنبية شباك التذاكر فوراً؛ فعلى سبيل المثال، حصد فيلم «أوبنهايمر» أكثر من 11.8 مليون دولار في شباك التذاكر السعودي عام 2024، متفوقاً على معظم الإنتاجات المحليّة في العام نفسه.
2. البنية التحتية والتحولات الاستثمارية
أ. مجمّعات العرض العالمية
شجّع الإقبال على الأفلام الأجنبية سلاسل مثل AMC وVOX على بناء عشرات المجمّعات الحديثة داخل المراكز التجارية، مع تقنيات صوت وصورة تتماشى مع المواصفات التي اعتادها المتفرّج في لندن أو دبي. بذلك ارتفع عدد الشاشات من صفر في 2017 إلى أكثر من 600 شاشة بنهاية 2024.
ب. استوديوهات الإنتاج (نيوم والعلا نموذجاً)
استلهمت المملكة تجربة «هوليوود» فأسست مناطق تصوير ضخمة؛ فقد استضافت استوديوهات نيوم 40 إنتاجاً خلال أربع سنوات فقط، مستفيدة من حوافز تصل إلى %40 استرداد نقدي للتكاليف.
3. تنوّع سردي جديد: الأنواع والأساليب الفنية
أ. نفَس هوليوودي في السينما التجارية
مع النجاح التجاري للأكشن والخيال العلمي الأجنبي، تبنّى مخرجون سعوديون قواعد البناء الدرامي الهوليوودي—الإيقاع السريع، «القوس» الواضح للشخصية، والمؤثرات البصرية—كما يظهر في مشاريع ضخمة مثل «Desert Warrior» و«Kandahar».
ب. بصمة بوليوود وسينما شرق آسيا
حضور الجاليات والتنوّع الثقافي وسهولة الوصول إلى الأفلام الهندية والكورية أدخل الأغنية الاستعراضية والدراما العائلية إلى بعض الأعمال المحلية، مع تزايد التعاون مع منتجين من مومباي وصولاً إلى سيول.
4. منصّات المهرجانات والشراكات الدولية
أ. مهرجان البحر الأحمر بوّابة لخلطة ثقافية
يعرض المهرجان في جدّة أكثر من 120 فيلماً من 81 دولة، جامعاً نجوم هوليوود وبوليوود وصنّاع السينما العربية على السجادة الحمراء، ما يخلق بيئة تواصل وتمويل مشترك للأعمال السعودية.
ب. التدريب والإنتاج المشترك
برامج معهد البحر الأحمر ومعاهد أجنبية درّبت مئات السعوديين على الإخراج والتصوير، بينما فرضت الاتفاقات مع هوليوود شرط إشراك طواقم محلية بنسبة معيّنة، ما سرّع نقل الخبرة التقنية إلى الداخل.
5. سياسات الرقابة والتصنيف: توازن بين الانفتاح والخصوصية
تحت وطأة الإقبال على المحتوى العالمي، طوّرت هيئة الإعلام المرئي والمسموع نظام تصنيف جديداً أقلّ تقييداً وسمح بتقسيم المشاهدة إلى فئات عمرية بدل المنع التام، وإن ظلّ حذف بعض المشاهد شائعاً—فأكثر من 30 فيلماً دولياً حُجبت أو عُدِّلت سنة 2024.
6. الجمهور السعودي: ذائقة بين المحلي والعالمي
يحظى الجمهور الشاب—حيث يشكّل من هم دون 35 سنة نحو %60 من السكان—بفرصة مشاهدة أحدث الإصدارات في أسبوعها الأول عالمياً، ما رفع سقف التوقعات الجمالية للسرد المحلي. انعكس ذلك في فيلم «مندوب» (Night Courier) الذي استحضر روح «Taxi Driver» و«Nightcrawler» في قالب كوميدي أسود يخصّ شوارع الرياض.
7. تحدّيات وفرص مقبلة
على الرغم من التمويل السخي، تكشف تقارير حديثة عن تأخّر بعض المشاريع الضخمة وتجاوز ميزانياتها، إضافة إلى حساسية بعض الموضوعات التاريخية والدينية التي قد تعرقل التصدير العالمي للأفلام السعودية.
مع ذلك، يشير خبراء الصناعة إلى أنّ هذه العقبات هي «أمراض طفولة» طبيعية لأي سوق ناشئ، وأنّ الانفتاح على الخبرات الأجنبية إذا أُدير بتوازن يحفظ الهوية يظل المفتاح لبناء صناعة متينة قادرة على المنافسة إقليمياً وعالمياً.

