طرائف القاضي اياس

كان العرب معروفين بشدة الذكاء والفطنة ، ولكن بعضهم كان ذو مستوى ملحوظ من الذكاء والكياسة وحسن التصرف ، ومن أشهر التابعين العرب الذين عُرفوا بالفراسة والذكاء المتناهي هو التابعي إياس بن معاوية ، وكان إياس يستغل هذه الهبة الربانية في أن ينصف المظلومين ويُعيد إليهم حقوقهم من الظالمين والطغاة .

القاضي إياس

اسمه بالكامل هو إياس بن معاوية المزني ، وقد كان معروف بأنه حجة العرب في الفطنة والفراسة ، حيث أنه كان يتمتع بقدر مُذهل من سرعة البديهة والذكاء فضلًا عن أنه كان قوي الحجة دائمًا ولبقًا في حديثه ، ولقد ذاع صيت هذا الذكاء وهذه الفراسة عن إياس بن معاوية في جميع الأقطار ؛ حيث أن الكثير من الأشخاص كانوا يقصدونه من كل حدب وصوب كي يُساعدهم في الوصول إلى حلول لما يواجههم من عوائق في العلوم وفي الدين أيضًا .

ونظرًا إلى هذا المستوى المتناهي من الذكاء والفراسة ، أصبح العرب يضربون به المثل في الذكاء . فمثلًا عندما يجدون شخص ذكي فهم يُطلقون مَثَلْ : (أذكى من إياس) ، وقد ورد ذكر إياس بن معاوية أيضًا في أحد الأبيات الشعرية الخاصة بابن تمام ، وهو :

إقدام عمرو في سماحة خاتم *** في حلم أحنف في ذكاء إياس

وقد ورد ذكر إياس بن معاوية أيضًا في مقامات الحريري ، حيث قال :

-فإذا ألمعيتي ألمعية ابن عباس ، وفراستي فراسة إياس

قصة ذكاء القاضي إياس

نظرًا إلى فراسة إياس بن معاوية ؛ قام خليفة المسلمين حينذاك عمر بن عبد العزيز بتعيينه قاضيًا بالبصرة ، ومن أهم القصص التي أكدت على مدى فطنة وكياسة إياس وحرصه على نصرة المظلومين ، ما يلي :

كان هناك أحد الرجال في الكوفة يظهر عليه علامات الصلاح والتقوى الورع ، وكان دائمًا ما يمدحه الاخرين ويثنون على أخلاقه ، ولذلك كان الكثير من الأشخاص ما يتركون الأمانات عنده ويجعلونه وصيًا على الأبناء عن الشعور باقتراب الأجل ، وفي إحدى المرات ؛ قام أحد الأشخاص بإيداع قدر من المال عند هذا الرجل التقي ، ثم سافر صاحب المال إلى مدينة مكة ، وعندما عاد من السفر ذهب إلى الرجل المؤتمن لاسترداد ماله ؛ ولكن الرجل أنكر ذلك ولم يؤد الأمانة ، وهنا جاء صاحب المال إلى القاضي اياس بن معاوية وقص عليه ما حدث ودار الحوار التالي :

-القاضي إياس : هل يعلم هذا الرجل أنك سوف تأتي إليّ وتقص ما حدث ؟
-صاحب المال : لا .
-القاضي إياس : هل نازعته مُسبقًا عند أحد لاسترداد مالك .
-صاحب المال : لا ، لا يعلم بهذا الأمر سوى أنا وهو وأنت الان .
-القاضي إياس : إذن ، انصرف ولا تقص ذلك على أي شخص ، وعُد إلي بعد يومين ، فذهب الرجل .

وقام القاضي إياس بالإرسال إلى الرجل المؤتمن على المال  ، وعندما جاء الرجل دار الحوار التالي :

-القاضي إياس : لقد تجمع عندي الكثير من أموال اليتامى ولا أجد كافل لهم ، ولذلك فقد قررت أن أودعك المال عندك وأن أجعلك وصيًا على هؤلاء اليتامى ، فهل لديك وقت كافي ومنزل حصين من أجل ذلك ؟ .

-الرجل : نعم أيها القاضي .

-القاضي إياس : إذن ؛ عُد إلى بعد غد بعد أن تكون قد قمت بتجهيز موضعًا للمال في منزلك وأفرادًا يحملونه .

وبعد انقضاء اليومين ؛ جاء صاحب المال إلى القاضي إياس ، وقال له أياس ، إذهب إلى صاحبك واطلب منه أن يعطيك مالك ، فإن أعطاك كان به ، وإن لم يُعطيك فقل له بأنك سوف تُخبر القاضي إياس .

وهنا ذهب صاحب المال إلى الرجل المؤتمن وقال له ، أعطني المال ، وعندما امتنع ؛ أخبره بأنه سوف يشكوه إلى القاضي إياس ، وعندما سمع الرجل اسم القاضي إياس ؛ قام بإرجاع المال إلى صاحبه بل وقام أيضًا بتطيب خاطره .

وبعد ذلك رجع صاحب المال إلى القاضي إياس وقال له لقد استعدت مالي ، وجزاك الله خيرًا .

وبعد انقضاء الفترة المُتفق عليها ، عاد الرجل المؤتمن إلى القاضي بعد أن جهز مكان في منزله واصطحب معه الحاملون من أجل حمل أموال اليتامى ؛ وهنا نهره إياس وقال له : أنت بئس الرجال وعاصيًا لله ، ابتعد أيها الخائن للأمانة .

وتعتبر هذه القصة التي تجمع بين الطرافة والذكاء والفطنة واحدة من الكثير من الحكايات التي اعتمد فيها القاضي إياس بن معاوية المزني على ذكائه وفطنته من أجل نصرة المظلوم وإعادة الحق إلى أصحابه .

الوسوم :

شارك المقال في صفحاتك

معلومات الكاتب

Avatar

أكتب تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *