حرب الساحل البربري

كتابة هدير الهنداوي آخر تحديث: 30 أبريل 2020 , 22:28

شهد التاريخ العربي والأمريكي واحدة من أعتى الحروب التي استمرت لسنوات طويلة واشتهرت باسم “حرب الساحل البربري” والتي دارت بين دول شمال أفريقيا، وبين الولايات المتحدة الأمريكية. ولقد حدثت هذه الحرب على فترتين متباعدتين نسبياً. وتسببت كلاً من الحربين في نتائجاً لا زال يُشهد لها حتى يومنا هذا بأنها كانت نقطة تحول في حياة الأمريكيين ودولتهم المستقلة حديثاً وقتها عن بريطانيا، ودول الساحل البربري الشبه مستقلة والخاضعة للحكم العثماني.

حرب الساحل البربري

  • يُشار إليها تاريخياً بحرب طرابلس بالنسبة لفترتها الأولى (1801-1805)، وبالحرب الجزائرية (1815).
  • دارت كلا الحربان بين الولايات المتحدة الأمريكية المستقلة وقتها حديثاً عن بريطانيا، وبين دول شمال إفريقيا العثمانية (طرابلس، تونس، الجزائر)، والتي كان يُطلق عليها دول الساحل البربري.
  • وكانت دول الساحل البربري شبه مستقلة، وتخضع للحكم العثماني.
  • ولقد خضع البحر الأبيض المتوسط برمته إلى حماية السلطنة العثمانية؛ والتي كانت تأخذ من الدول الأوروبية رسوماً نظير حمايتها لرحلات سفنها في البحر الأبيض المتوسط من هجمات القراصنة.
  • وحدث أن استقلت الولايات المتحدة الأمريكية عن الحكم البريطاني، وقامت بالخروج إلى البحر رافعة علمها، حتى استقبلها البحارة الأتراك، واستولوا على كل ما تحويه السفن.
  • ولجأت أمريكا إلى عقد معاهدة مع الدولة العثمانية من أجل استرداد كل الأسرى، وعدم تعرضها للقرصنة، مقابل دفع الرسوم السنوية.
  • أقدمت بريطانيا على استغلال الثغرة الوحيدة لإفساد هذه المعاهدة، وذلك عندما أوحت ليوسف باشا القرمانلي بإعادة النظر في شروط المعاهدة؛ خاصة بعد أن ظلت أمريكا لا تدفع الرسوم لمدة عام كامل رغم تمتعها بكافة الحماية لرحلاتها البحرية .
  • وفي الوقت الذي كان يوسف باشا فيه يعد العُدة، كانت أمريكا تدعم أسطولها البحري بشكل كبير ليواجه الأسطول العثماني.
  • وبعد أن تقدم يوسف باشا بطلب الرسوم السنوية من الولايات المتحدة الأمريكية، وواجهه الكونجرس الأمريكي بقانون لحماية التجارة والبحارة الأمريكيين. أقدم على إعلان الحرب.
  • بدأت حرب الساحل البربري الأولى عام 1801، وانتهت عام 1805، ما بين مناورات بحرية، استطاع فيها الأسطول الليبي إلحاق أكثر الخسائر فدراحة بالأسطول الأمريكي .
  • ثم حدثت معركة درنة بعد أن أقنعت الولايات المتحدة الأمريكية بين أحمد القرمانلي شقيق يوسف باشا بقدرتهم على الإطاحة بأخيه وتوليه الحكم.
  • وحالما وقعت درنة المدينة الصغيرة التي تقع على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وتقترب من تاحدود المصرية، و تبعد عن طرابلس مقدار ألف كم في أيدي الولايات المتحدة الأمريكية، استطاعت القوات العثمانية محاصرتها؛ فعمدت أمريكا للمفاوضات، ووقعت المعاهدة بدفع الضرائب والرسوم السنوية، وانتهاء حرب الساحل البربري الأولى.
  • عادت الحرب تعلن عن قيامها مرة أخرى مع تعزيز أمريكا لفرنسا أثناء فترة الحروب النابليونية والتي لم تنتهي بشكل عام 1815.
  • وكنتيجة لهذا التضارب أقدم قراصنة البربر على السطو والاستيلاء على السفن الأمريكية، وأسر من بها، وعدم رد ما سطوا عليه إلا بعد الحصول على فدية.
  • فأقدم الأسطول الأمريكي على الحرب وكان ذلك في مارس 1815، بتحرك 112 مدفعاً، ومجموعة من السفن، وكذلك الفرقاطات، تحت قيادة مايزيد عن عشر عمداء وملازمين بحريين وقباطين.
  • توجه الأسطول من مضيق جبل طارق إلى الجزائر، وتمكن من أسر سفينتين، وفي الأسبوع الأخير من يونيو، وبعد الكثير من المناورات، تم اللجوء كالعادة إلى سياسة المفاوضات المختلطة بلهجة التوعدات والتهديدات.
  • كما تم توقيع معاهدة في شهر يوليو عام 1815 استرد على إثرها الجزائريين السفينتين المأسورتين، وتم تبادل الأسرى الأوروبيين ب500 فرد من التابعين للداي الجزائري.
  • وبعد دفع 10000 دولار نظير السن الأمريكية التي تم الاستيلاء عليها، استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية هذه المرة أن تحصل على حريتها الملاحية؛ خاصة بعد أن ضمنت الإتفاقية عدم فرض المزيد من الجزية.

نتائج حرب الساحل البربري الأولى والثانية

  • خاضت دول أوروبا مجال الحرب مع بعضها البعض، وذلك بعد نهاية حرب الساحل البربري الأولى، ولكن ذلك لم يمنعها من أن تعد أسطولها الحربي للنزول بالأسطول الجزائري، واسترداد حقها في الملاحة البحرية، وهذا ما حدث.
  • ويعد أقوى ما عاشته الولايات المتحدة الأمريكية فيما بعد هو تمكنها من إرسال بعثتها للحدود البربرية؛ لإقناع العثمانيين بضرورة إيقاف القرصنة، وتحرير العبيد من المسيحيين.
  • و قوبلت طلباتها بالإيجاب من الداي بكل من تونس، وطرابلس، إلا داي الجزائر الذي كان أكثر تمرداً ورفضاً للأمر.
  • وما زاد الأمر سوء هو حدوث تضارب في الأوامر أدى إلى مقتل ما يقرب من المائتي صياد من كورسيكا، وسردينيا، وصقلية بعد توقيع الإتفاقية مباشرة، مما تسبب في غضب بريطانيا وأوروبا بالتبعية، والنظر إلى المفاوضات السابقة بأنها قد فشلت.
  • أقدم الأسطول الأمريكي على التوجه للجزائر، والقيام بقصفها على مدار تسع ساعات في نهاية شهر أغسطس عام 1816. ونتج عن هذا القصف تعطيل القراصنة وبطاريات الشاطيء، وبالتالي استسلام الداي وقبوله لشروط معاهدة السلام التي كان  قد قابلها بالرفض.
  • وعلى إثر توقيع الاتفاقية في سبتمبر من العام نفسه، تم تحرير 1083 عبداً مسيحياً، و القنصل البريطاني، وتسديد أموال الفدية.
  • وعلى إثر الحرب التي دارت طوال السنوات الستة عشر، أصبحت الجزائر وتونس مستعمرات فرنسية في العوام 1830 و 1881، ووقعت طرابلس تحت السيطرة العثمانية من جديد عام 1835.
  • واستطاعت إيطاليا السيطرة على طرابلس لاحقا، في عام 1911 بعد أن استغلت وضع السلطة العثمانية لصالحها.
  • وأخذت السفن الأوروبية تسيطر على الحكومة في منتصف القرن العشرين بشرقي شمال إفريقيا.
  • ونهاية، آل الأمر إلى الأسطول الذي ثابر منذ البداية، ونجح في استعادة كيانه وقوته وتأثيره الملاحي مرة بعد مرة، واستطاعت السفن الحربية الحديدية، والمدرعات البحرية للأوروبيين السيطرة على البحر الأبيض المتوسط.

تحليل نتائج حرب الساحل البربري

ربما كانت تلك هي المرة الأولى التي تقدم فيها الولايات المتحدة الأمريكية على حرباً طال بها المدى كحربها مع دول الساحل البربري. وربما كانت تلك هي المرة الأولى التي تحيا فيها الولايات المتحدة الأمريكية استقلالاً، كالذي حيته منذ استقلالها عن بريطانيا، ورفعها لعلمها لأول مرة 1983.

كما وقد ساعدتها الحرب على فرضها سيادتها البحرية، والسعي نحو تشكيل أسطول بحري لازالت تشهد له الكثير من الأحداث التاريخية، والكثير من دول أوروبا والعالم كله بقوته، وتفوق عتاده.

كما تعرضت الولايات المتحدة الأمريكية إلى توقيع معاهدة صلح، تحتوي على 22 مادة مكتوبة باللغة التركية، وكانت تلك هي المعاهدة الوحيدة في تاريخ المعاهدات التي وقعتها الأمم المتحدة التي تُكتب بلغة غير الإنجليزية وهي اللغة التركية، ووفقاً لها قامت الولايات المتحدة بدفع ضريبة سنوية، وبموجب تلك المعاهدة نفسها، نالت الولايات المتحدة الأمريكية حريتها، واستردت أسراها، وكفلت لنفسها الحق في عدم تعرضها للحرب مرة أخرى.

ومن جهة أخرى رغم امتلاك السلطة العثمانية لقواتها من الخيالة، والمشاة، والكتائب المقاتلة، و الانكشارية والذين كانوا يتقاضون مقابلاً مادياً نظير تثبيتهم لأركان الجيش، وقتالهم البارع، ووجود أسطول للولاية بسفنه ، وبحارته، تتلخص مهمته في تحصيل الأموال، والحفاظ على هيبة السلطنة داخل البلاد وليس خارجها.، مع وجود الشاويشية للحفاظ على القصر والمدينة، إلا أنها لم تلح مع مرور الوقت بسبب انهيار السلطة العثمانية، وهو ما فطن إليه المبعوثين الأمريكيين، واستطاعوا من خلاله أن ينزلوا بعدوهم أشد الخسائر وبالتالي الفوز بالحرب وإن طال الأجل. [1]

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق