الفرق بين الفتوى والاستفتاء

كتابة الاء آخر تحديث: 11 سبتمبر 2020 , 22:53

إن الله تعالى أمر العباد بطاعته وعبادته فيما شرع لهم ، وأمرهم أن يتعلموا ما تستقيم به عبادتهم تابعين سنة نبيهم محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، وقد جعل بعض العلم فرضًا عينيًا يجب على كل فرد وهو ما يحتاجه في تأدية عبادته الواجبة ، والفتوى من أهم سبل التعلم إذ إن جميع فئات المجتمع المسلم تشترك في اتخاذها سبيلاً له .

أهمية الفتوى

إن الفتوى مشروعة للعامة وطالب العلم الصغير والمتوسط والعالم المقلد وهذه الأصناف تشكل غالب المجتمع أما العلماء المجتهدون فقد نُصَّ على عدم جواز تقليدهم مع علمهم بالأدلة ، ولهذه المكانة التي تبوأها الفتوى عُنيَ بها العلماء عناية عظيمة فبحثوا مسائلها في أبواب أصول الفقه كما صنفوا فيها التصانيف المختلفة، المطولة والمختصرة .

ولهذه الأهمية العظمى وشديد التصاقها في حياة الناس خصص لها في الوقت الحاضر برامج خاصة في قنوات الأعلام المختلفة المقروءة والمسموعة والمرئية ، وقد اختلفت مناهج تلك البرامج اختلافًا ظاهرًا ، مما أوجد لكل منهج سلبيات وإيجابيات ، كما أحدث تفاعلاً متفاوتًا من الجماهير .

 برامج الفتوى

برامج الفتوى في الإعلام المعاصر تظهر في نوعين من انواع الفتوى من برامج الفتوى المسجلة تستقبل هذه البرامج أسئلة الجمهور قبل بث الحلقة ، وتعرض على المفتي ، يتفحصها ويعد الإجابات والتوجيهات ثم تعرض الحلقة على شكل أسئلة وأجوبة ، يلقيها المفتي أو تلقى عليه الأسئلة ويتولى هو الإجابة ، ويتسم هذا الشكل بميزات عديدة ، من أهمها عدم ارتجالية المفتي التي قد تؤدي إلى الغلط وهذا النوع ليس موضع الحديث ، والبرامج المباشرة التي يلقى فيها السؤال على المفتي أثناء عرض الحلقة ويتولى الإجابة على الفور .

الفتوى واختلاف الفقهاء

لكل عالم مذهب معين ينتمي إليه ، كما أن له اجتهادات خاصة يفتي فيها بما ترجح عنده من الأدلة لهذا يحدث الاختلاف بين المذاهب ، كما يحدث بين أقوال العلماء الخاصة المبنية على اجتهاداتهم ، وكل بلد من البلدان الإسلامية يعتمد مذهبًا تعمل فيه مؤسساته الشرعية على اختلافها ، ويفتي فيه علماؤه أو يكون منطلقًا لاجتهاداتهم الشخصية وعلى ذلك نعرف تقاليد تلك البلدان ، وعلى تلك الفتاوى سار أبناؤها وتوارثوا عاداتهم جيلاً بعد جيل .

وكان الإفتاء بغير المذهب السائد يعد أمرًا غير مرغوب فيه ، ويفضي إلى النزاع والاختلاف والتفرق ، ولذا أشار إليه العلماء المتقدمون وبينوا خطره وما يحدثه ، وقال الشاطبي رحمه الله في معرِض حديثه عما في تتبع رخص المذاهب من المفاسد أنه يفضي إلى ترك ما هو معلوم إلى ما ليس بمعلوم لأن المذاهب الخارجة عن مذهب مالك في هذه الأمصار مجهولة ، وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي عليه رحمة الله في رسالته عن حكم شرب الدخان والعوام تبع للعلماء ، فلا يسوغ ولا يحل للعوام أن يتبعوا الهوى ويتأولوا ، ويتعللوا أنه يوجد من علماء الأمصار من يحلله يعني الدخان  فإن هذا التأويل من العوام لا يحل باتفاق العلماء ، فإن العوام تبع لعلمائهم ليسوا مستقلين ، وليس لهم أن يخرجوا عن أقوال علمائهم ، وما نظير هذا التأويل الفاسد الجاري على ألسنة بعض العوام اتباعًا للهوى لا اتباعًا للحق والهدى إلا كما لو قال بعضهم يوجد بعض علماء الأمصار من يبيح ربا الفضل فلنا أن نتبعهم أو يوجد من لا يحرم أكل ذوات المخالب من الطير فلنا أن نتبعهم ، ولو فتح هذا الباب فتح على الناس شر كبير ، وصار سببًا لانحلال العوام عن دينهم .

الفتوى واختلاف المجتمع

كل أحد يعرف أن تتبع مثل هذه الأقوال المخالفة لما دلت عليه الأدلة الشرعية ، ولما عليه أهل العلم من الأمور التي لا تحل ولا تجوز ، والواقع المعاصر لا يعترف بالحدود الجغرافية والأعراف الإقليمية ، وهذه إشكالية كبيرة ، إذ يفتي المفتي بفتوى تبيح أمرًا قد استقر في أذهان فئة معينة تحريمه ، فهذا يحدِثُ إشكالاً كبيرًا .

هذه الفتاوى صالحة لمجتمعات معينة ، لكنها لو عمل بها في مجتمعات أخرى مثل مجتمعنا لأحدثت فوضى كبيرة ، إذ إن أولياء الأمور ، ورجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمجتمع بأسره لا يقبل كشف الوجه ، بل يعاقب على ذلك بل إن كثيرًا من النساء الحريصات على العفة والستر في مجتمعنا ، لا يرضين بالظهور أمام الأجانب إلا بالعباءة السوداء ، الساترة لجميع البدن ولا يرضين بغيرها من الأغطية التي قد تستخدمها بعضهن أمام غير المحارم من الأقارب .

فمثل هذه الفتوى لو تعامل المجتمع معها بالرفض التام والتجاهل ، لكان الوضع مقبولاً طبعيًا إذ يستفيد منها غيره لكن الواقع أن مثل هذه الفتاوى تجر وراءها محظورات متعددة .

تعريف الاستفتاء والمستفتي

عند عمل بحث عن بحث عن الفتوى والاستفتاء نجد أن  الركن الآخر لعملية الفتوى هو المستفتي ، وهو في الحقيقة ركن هام ويدور حوله أمور خطيرة من أكثرها أهمية وتأثيرًا اتباع الهوى وتتبع الرخص ، وإن اتباع الهوى قضية خطيرة ، غفل عنها كثير من الناس ورأوا أنه إذا وجدت الفتوى في إباحة محظور فقد حل ، دون نظر إلى المفتي ، ولا إلى وقت الفتوى ، ولا إلى الملابسات التي قد تكتنف الأمر ، ودون نظر إلى ضوابط الفتوى التي نص عليها العلماء .

صور خاطئة للاستفتاء

من الصور الخاطئة التي تنتشر بين الناس ، أن ينتشر بين الناس أن في المسألة رأيين ، فيعمد بعض الناس إلى أخذ الرأي الأقرب إلى هواه دون استفتاء ، وهذه الصورة من أكثر الصور تساهلاً ، فربما تكون المسألة المختلف فيها لا تنطبق تمامًا على مسألة الشخص الخاصة مثال ذلك أن هناك رأيين في زكاة الحلي المعد للاستعمال ، فيأخذ بعض الناس بقول من رأى أنه لا زكاة فيه ، دون أن يستفتي ويوضح حال ذلك الحلي الذي عنده ، وقد يكون ذلك الحلي غير مستعمل ولا معد للتجارة بل هو قد احتفظ به ادخارًا وكنزًا ، فهنا يتغير الحكم ، والغالب أنه لم يختر هذا القول مع ترك السؤال إلا لتساهله .

أن ينتشر أن في المسألة رأيين فيعمد المستفتي إلى القائل بالرأي الأقرب إلى هواه ، فيستفتيه دون نظر إلى علمه ولا إلى ورعه، ولا إلى دليله ، وهذا أيضًا حَكَّم الهوى في دينه .

أن يجهل حكم مسألة ما ، فيستفتي عالمًا يثق به ، ثم يفتيه بما لا يرغب فيبحث عن عالم آخر ليفتيه بما يريد وهذا أيضًا محكم للهوى في دينه ، وهذا هو عين تتبع الرخص المنهي عنه ، وذلك لأنه يفضي إلى مفاسد كبيرة جدًا ، مفاسد على الفرد ذاته تفسد عليه دينه وعبادته وتعامله ، ومفاسد يتعدى ضررها إلى المجتمع ، فيحدث الفرقة والاختلاف ، ويفضي إلى النزاع والتباغض ، كما يضيع الحدود المعروفة المتفق عليها عُرفًا ، ومعلوم أن للأعراف ميزان كبير في كثير من الأحكام إذ إنه ضابط لجانب منها .

إن تتبع الرخص قد يؤدي إلى خرق إجماع الأمة ، بتلفيق قول من مجموعة رخص ، مثال ذلك أن بعض العلماء لا يشترط الولي في النكاح وبعضهم لا يشترط الشهود ، وبعضهم لا يشترط الصداق ، فلو جمع بين هذه الأقوال لتولد قول آخر ، بجواز النكاح بلا ولي ولا شهود ولا صداق ، وهذا لم يقل به أحد، فهو مخالف لإجماع الأمة .

ضوابط عملية الاستفتاء

إن هناك ضوابط كثيرة يجهلها كثير من الناس ، وإلى الجهل بها يرجع التساهل في شأن تتبع الرخص ، حتى إن بعضهم يراه أمرًا سائغًا جائزًا ، لا يشك في حله ، وأنا أريد أن أشير هنا إلى بعض تلك الضوابط .

لا يجوز للمستفتي أن يستفتي إلا العالم الثقة المجتهد ، ولا يجوز أن يستفتي من كان دون ذلك إلا أن يكون ناقلاً عن مجتهد ، فإذا وجد أكثر من مجتهد اختار أيهم شاء ، فإذا سأل مجتهدًا فلا يسأل غيره ، إلا إن وجد أوثق منه ، فلا بأس أن يستفتيه .

إذا تعارض عنده فتوى مجتهدين وجب عليه الترجيح بينهما ، بأن يختار فتوى أفضل المجتهدين علمًا وورعًا وتقوى . كذا فصل العلماء وفرقوا بين هاتين المسألتين ، وهما إذا لم يكن عنده علم بالحكم فله أن يستفتي من شاء بشرط أن يكون من أهل الاجتهاد ، أما إذا علم أن مسألته قد أفتى فيها مجتهدان ، وكان حكمهما مختلفًا ، فأحدهما يحرم والثاني يبيح ، أو أحدهما يوجب والثاني لا يوجب ، وجب عليه أن يأخذ بفتوى أوثقهما علمًا وورعًا وتقوى .

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق