ما هي نظرية مالتوس

كتابة anwaar آخر تحديث: 25 سبتمبر 2020 , 07:03

كان المفكر الانجليزي توماس مالتوس واحد من افضل علماء الاقتصاد في التاريخ وهو أول من سعى لوضع نظرية شاملة تخص  السكان والديموغرافيا والتطور سنة 1798، من خلال كتابه “رسائل حول مبادئ تعداد السكان”، حيث طرح مشكلة التزايد السكاني، والنمو الطبيعي، ووضع حلولاً لمواجهة هذه المشكلة.

ورغم أن نظريته حينها قد ثبت فشل أجزاء كبيرة منها إلا أنه بعد جائحة كورونا بدأ البعض بالتفكير من جديد في هذه النظرية ومجموعة الأفكار التي طرحها مالتوس، أهمها أن الإنسانية ستُواجه أزمة كبيرة نتيجة للزيادة السكانية مما سيخلق حالة عدم توازن ستشهد معها الإنسانية مجاعات و أوبئة و أمراض، أو ما سماه هو الكارثة المالتوسية، ثم تعود الأمور لنصابها بعد أن تقرر الشعوب خفض النسل مع الندرة الغذائية، بالإضافة للعوامل الطبيعية.  لنتعرف على هذا الكاتب المثير للجدل ونظريته من خلال هذا المقال.

نشأة توماس مالتوس

توماس روبرت مالتوس هو رجل دين و باحث إنگليزي في الاقتصاد السياسي و الديموغرافيا، ولد في 14 فبراير سنة 1766 في مدينة تدعى روكري بإنجلترا، ينحدر من أسرة إنگليزية ميسورة الحال، كان والده صديقا للفيلسوف الإنجليزي ديفد هيوم، كما كان متأثرا بأفكار جان جاك روسو، وهذا ما اثر بشكل ملحوظ في شخصية مالتوس و فلسفته الليبرالية.

تلقى مالتوس تعليمه في البيت على يد مدرس خاص حتى دخوله “كلية المسيح” التابعة لكامبريدج عام  1784، حصل على الإجازة سنة 1788، ثم حصل على شهادة الماستر سنة 1791، فأصبح كاهناً بكنيسة إنجلترا سنة 1798، وفي سنة 1805 تم تعيينه أستاذاً للتاريخ و الاقتصاد في كلية الهند الشرقية، التي تم إنشاؤها بالقرب من لندن، اختير زميلا في الجمعية الملكية سنة 1819، وانضم إلى نادي الاقتصاد السياسي عام 1821، كما أصبح من الأعضاء البارزين في الجمعية الملكية للأدب سنة 1824، ثم الأكاديمية الفرنسية للعلوم الأخلاقية والسياسية سنة 1833، وأكاديمية برلين الملكية. وكان أيضا من بين الأعضاء المؤسسين لجمعية لندن للإحصاء. [1]

نظريات النمو السكاني لـ مالتوس

تأثر مالتوس بالفلسفة الليبرالية وأفكار جان جاك روسو، و كان يميل إلى اقتصاد متنوع ومتوازن، لكنه حذر من التخصص المفرط في الصناعة والتجارة، فهو يدعو إلى تحقيق توازن بين مختلف القطاعات والأنشطة الاقتصادية المختلفة، و كان يدعم الدول بشدة على وضع جميع التدابير التي تهدف إلى الحفاظ على الاقتصاد الوطني من المنافسة الأجنبية. كما كانت نظرياته تدعم مبادئ التفاوت الطبقي والمناداة بشعار الملكية الفردية والنظام الليبرالي.

كتبه ‘بحث في مبدأ السكان’ الذي صدر سنة 1798، و’مبادئ الاقتصاد السياسي’ سنة 1820، معروفة برؤيتها المتحيزة إلى فئة مالكي الرأسمال على حساب الطبقات الفقيرة، و لعل ابرز الأمثلة على ميوله مهاجمته لقانون الإعانة الاجتماعية لمساعدة الفقراء سنة 1975 في بريطانيا، الذي قررت الحكومة تطبيقه بسبب الفقر المدقع الذي عاشته طبقة العمال بسبب التحولات الاجتماعية والاقتصادية الجذرية التي نتجت عن الثورة الصناعية.

نصح مالتوس الطبقة الفقيرة باحترام “القيود الأخلاقية” بتأخير سن الزواج ومراعاة العفة المطلقة قبل الزواج، كما هاجم طبقة الفقراء بسبب سلوكهم الجنسي و الزواج المبكر و الإكثار من الأطفال دون مراعاة الظروف، حيث يؤكد أن الفقر هو نتيجة لأخطاء الفقراء أنفسهم. بل أكثر من ذلك منع الدول والأشخاص من تقديم المساعدات في المجاعات و الأزمات لان المجاعة حسب رأيه من الكوارث التي تؤدي إلى تقليل النسل بشكل ملحوظ.

من أفكاره المثيرة للجدل أيضا انه لا ينصح بزيادة أجور العمال، لأنه إذا زادت أجورهـم سيتزوجون مبكـراً و ينجبوا المزيد مـن الأطـفال مما سيؤدي بطبيعة الحال إلى زيــادة عدد السـكان بدرجة تفـوق ما يتوفر من الغذاء فيعـود الفقـر مـن جديـد، كما رفض مالتوس زيادة الضرائب المخصصة للإنفاق على العاطلين فهذا سيؤدي إلى التشجيع على الكسل و الرغبة الجنسية لدى الزوجين وسيجعل عدد أفراد الأسرة يزداد بسرعة أكثر من الطعام المتاح، ويخلق  هذا تنافسًا حادًا بين الناس حيث سيرفع البائعون أسعار بضائعهم.

ولتوضيح هذه النظرية افترض مالتوس أن الطعام يزيد كل 52 عاما بمتوالية حسابية “من 1 إلى 2 إلى 3 إلى 4 إلى 5 إلى 6 وهكذا” أما السكان فيزيدون بمتوالية هندسية “1، 2، 3، 4، 8، 61، 23·· وهكذا”، حيث افترض أن كل زوج وزوجة سينجبان أربعة أطفال يظلون على قيد الحياة.

نظرية مالتوس للسكان

ظهرت هذه النظرية في القرن الثامن عشر و تعتبر من أكثر النظريات المثيرة للجدل التي وضعها مالتوس في عام 1798 ، تؤكد هذه النظرية أن وتيرة التزايد السكاني هي أسرع من وتيرة إنتاج المحاصيل الزراعية وكميات الغذاء المتوفرة للاستهلاك، مما ينذر بمشاكل اقتصادية واجتماعية خطيرة أهمها الجوع و الفقر .

أمام هذا الوضع إذا لم يتدارك المجتمع هذه المشكلة و وضع القيود على الفقراء في وتيرة تكاثر السكان بما يتوافق مع قدرته على إنتاج الغذاء ستحدث كارثة، و قوانين الطبيعة لن ترحم، و ستعيد التوازن للمجتمع عبر تفشي المجاعات و الأمراض الخ.. ويبقى السؤال المطروح في هذه النظرية، هل هناك تناقض جوهري بين الزيادة في عدد السكان ومستوى الكفاف، أي الحد الأدنى للبقاء على قيد الحياة الذي نحتاجه؟ هل هناك طريقة لتجنب المجاعة العامة؟

انتقد مالتوس بشدة الطبقة الفقيرة التي تنجب الأطفال بشكل مفرط كما انتقد مساعدة الأغنياء للفقراء التي لا تفيد في شيء سوى زيادة مستويات الفقر و الفقراء في العالم. واعتبر مالتوس زيادة سكان بريطانيا في تلك الفترة  مؤشر على بداية الكارثة حسب نظريته حيث وضح أن الموارد الطبيعية تزداد في نسبة حسابية بطيئة بينما يزداد عدد السكان بنسبة هندسية سريعة كما ذكرنا في وقت سابق مما يعني  أن عدد السكان سيتجاوز الإمدادات الغذائية في السنوات المقبل.

و طرح في كتابه بعض الحلول القوية لمواجهة هذه المشكلة منها التقشف في استهلاك الطعام بحيث يكون الاستهلاك بقدر الحاجة دائما للبقاء على قيد الحياة. كما نصح بتحديد حجم السكان حسب توافر الغذاء لكي يتحقق التوازن بالإضافة إلى رأيه المثير للجدل الذي يقترح من خلاله منع زيادة إنتاج الغذاء من خلال تقليل عدد العمال، وتخفيض رأس المال المستثمر في الزراعة.

كما يقترح مالتوس نوعين من الضوابط لتخفيض عدد السكان الذين سينجبون المزيد من الأطفال و يطلبون الغذاء بالتالي ستقل حصة الفرد الواحد من الغذاء نتيجة العدد المتزايد للبشر، أولا الضوابط الوقائية التي تؤثر على السكان من خلال خفض معدل المواليد و تنبيه الرجال تحديدا من خطورة الإفراط في الإنجاب الذي سيؤدي لا محالة لعيش بائس و أعباء لا يستطيع تحملها يمكنها أن تحرم أطفاله من التعليم و تسبب لهم الفقر و الحرمان،

الأمر الذي يدفع الرجل للحد من حجم أسرته فيتأخر في الزواج، كما يقوم الأب بضبط علاقته الزوجية كي لا ينجب الكثير من الأولاد، ثانيا، الضوابط الايجابية التي تؤثر على عدد السكان وتكاثرهم والتي تكون الطبيعة السبب فيها لأنه بالنسبة لمالتوس كل كارثة طبيعية تساهم في تقليل أعداد البشر هي إيجابية بالنسبة له من خلال الكوارث الطبيعية كالزلازل و الفيضانات و الأعاصير أو المصائب التي يتسبب فيها الإنسان من حروب و أمراض و مجاعات الخ..كل هذه العوامل تساعد في زيادة نسبة الوفيات بالتالي تخفيض عدد السكان. [2]

انتقادات نظرية مالتوس

و كما تعرضت كل نظرية للنقد طالت بعض الانتقادات نظرية مالتوس كذلك، فقد توقع هذا الأخير تدهور الأوضاع الاقتصادية في دول أوروبا الغربية، وزيادة عدد السكان بشكل ملحوظ و هذا ما لم يحدث بل ارتفع إنتاج الغذاء بشكل كبير بسبب تقدم التكنولوجيا في مجال الزراعة وإنتاج الطعام والتقدم العلمي الكبير مما أدى لارتفاع مستويات المعيشة للشعوب الأوروبية بدلاً من انخفاضها، و كان أفضل مثال على ذلك بريطانيا التي لم تعاني من نقص في المواد الغذائية، لأنها أنتجت الحديد، الآلات، الفحم، السفن الخ، وبادلتها بمواد غذائية من دول أجنبية.

كما أن نظريته بخصوص معدل المواليد الذي يزداد مع ارتفاع في مستوى المعيشة أثبتت عدم صحتها ففي الدول الغربية، هناك انخفاض في عدد المواليد رغم النمو الاقتصادي بينما في الولايات المتحدة الأمريكية تضاعف عدد السكان عدة مرات منذ سنة 1800، ومع ذلك زاد الإنتاج الزراعي عن الحاجة وتبقى فائض وفير للتصدير.

كما أثارت النظرية الكثير من الانتقادات خاصة بعد تطبيق قانون الفقراء الانجليزي في عام 1934، و يعتبر من أكثر القوانين إثارة للجدل حيث يدعو الفقراء للهجرة و الإقامة في إصلاحية تؤمن لهم التغذية والملبس لهم و لأطفالهم وفي المقابل يعمل الفقراء لعدة ساعات يومياً، و قد تسبب هذا القانون بأعمال شغب كبيرة في بريطانيا حيث اعتبر الكثيرون أن هذا القانون هو تطبيق لنظرية مالتوس حيث يعمل الفقراء بأجور اقل من المعتاد ناهيك عن حالة التقشف التي يعيشونها، بينما رحبت الطبقة الرأسمالية بالقانون و أيدوا تطبيقه بشدة.

رغم الانتقادات التي طالت النظرية و صاحبها توماس مالتوس إلا أن هناك من يؤيد أفكاره بشكل كبير بل هناك من طرح نفس الأفكار برؤية جديدة بما يسمى ” المالتوسية الجديدة ” و لعل تطبيق الصين لسياسة الطفل الواحد في الأسرة مثّل استجابة واضحة وملموسة لأفكاره.

على الرغم من إيقاف هذه السياسة منذ سنوات بسبب الانخفاض في معدل المواليد و محاولة إبطاء وتيرة شيخوخة المجتمع، ناهيك عن تجربة التنمية السوفييتية التي تسببت في مجاعة هائلة و أبادت الكثير من البشر بحجة اعتصار التراكم المطلوب للتنمية و التقدم الصناعي كما أُجبرت بعض العرقيات المضطهدة، مثل الهنود و السود في أمريكا على إجراء تعقيم قسري

وفاة توماس مالتوس

توفي توماس مالتوس فجأة بسبب مرض القلب في 23 ديسمبر سنة 1834، في منزل والد زوجته عن عمر يناهز 68 سنة، و دفن في قرية سانت كاثرين بالقرب من مدينة باث جنوب غربي إنجلترا.

في العصر الحالي لم يعد الأمن الغذائي يمثل مشكلة للبشرية على الرغم من ارتفاع عدد السكان في هذا العالم إلى المليارات من البشر، طالما لديهم قدرة على استخدام الموارد بشكل سليم عن طريق العلم والتكنولوجيا مع ذلك تبقى نظرية مالتوس مخيفة، و يجب أخذها بعين الاعتبار، حيث من الممكن أن يشكل التكاثر السكاني مشكلة للطبيعة ويؤثر سلباً على مواردها الأساسية مما يرغم الدول على  تنظيم النسل.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق