محتويات
أول من استعمل فن الديكوباج
فن الديكوباج واحد من أقدم الفنون الزخرفية في التاريخ — بدأت قصته قبل الميلاد في سيبيريا، مرّ بالصين، ووصل إلى قصور أوروبا ليصبح هواية الأرستقراطيين. اليوم يعيش هذا الفن انبعاثًا جديدًا في عالم الكرافت والديكور الحديث. إليك كل ما تحتاج معرفته عن جذوره الحقيقية وأول من أرسى قواعده.
الجذور الأولى: قبل الميلاد في سيبيريا
كثيرون يظنّون أن الديكوباج اختراع فرنسي حديث، لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير. أقدم أثر موثّق لهذا الفن يعود إلى قبائل سيبيريا الرُّحَّل، حيث اكتشف علماء الآثار قطعًا من اللباد الملوّن كانت تُلصق على مقابر الموتى كنوع من الزخرفة والتشريف. [1] هذه القطع لم تكن مجرد تزيين، بل كانت تحمل دلالات روحية وتعكس حرفة يدوية دقيقة، وهو ما يجعلها البذرة الأولى لما نعرفه اليوم بفن الديكوباج.
من سيبيريا انتقلت هذه التقنية شرقًا نحو الصين، لتتحوّل هناك إلى شيء أكثر رقيًا وتفصيلًا. [2]
الصين في القرن الثاني عشر: حين أصبحت القصاصات فنًّا
في الصين، وتحديدًا منذ القرن الثاني عشر، طوّر الحرفيون الصينيون ما يُعرف بـ”جيانجي” — وهي تقنية قصّ الورق بألوان زاهية لتزيين الفوانيس والنوافذ وصناديق الهدايا والأثاث. [3] لم يكتفوا بهذا، بل أضافوا الورنيش فوق القصاصات ليُثبّتوها ويمنحوها لمعة تشبه الطلاء الأصلي، وهنا وُلد المفهوم الحقيقي لفن الديكوباج بشكله المتعارف عليه.
ما أضافه الصينيون كان عنصرًا جوهريًا: طبقات اللكّ أو اللاكيه الذي يحوّل القصاصة الورقية البسيطة إلى قطعة ديكور صلبة ولامعة تُحاكي الأعمال الفنية المرسومة يدويًا. [4]
الرحلة إلى أوروبا: من البندقية إلى فرنسا
في القرن السابع عشر، فتحت شركات الهند الشرقية أبواب التجارة مع الشرق الأقصى، وصارت الأثاث المطليّة بالورنيش القادمة من الصين واليابان موضة تجتاح القصور الأوروبية. الطلب تجاوز العرض، فابتكر الحرفيون الأوروبيون بديلًا ذكيًا: قصّ رسومات الفنانين المشهورين ولصقها مباشرةً على الأثاث وتغطيتها بطبقات من الورنيش لتبدو كلوحة فنية أصيلة. [5]
في إيطاليا — تحديدًا البندقية وفلورنسا — نضج هذا الفن وحمل اسمًا خاصًا به: “lacca povera” أو “ورنيش الفقير”، لأنه كان يُتيح لمن لا يملك ثمن اللوحة أن يُزيّن بيته بما يشبهها. [6] ومن البندقية انتقل إلى فرنسا، حيث نحت الفرنسيون له اسمه الذي نعرفه اليوم.
من أين جاء الاسم؟ وما معناه؟
يُطلق على فن الديكوباج باللغة الإنجليزية مصطلح Decoupage، وهو في الأصل كلمة فرنسية مشتقة من الفعل découper بمعنى “يقطع” أو “يقصّ”. [7] الاسم يصف العملية بأكملها باختصار بليغ: قصّ ولصق وطلاء. ومن يمارس هذا الفن يُعرف بـdécoupeur أي “القاصّ”.
الموسوعة البريطانية (Britannica) تُعرّفه بأنه “فن قصّ القصاصات ولصقها لمحاكاة الطلاء على أسطح الخشب والمعدن والزجاج”، مُشيرةً إلى أن ظهوره في فرنسا القرن السابع عشر كان وسيلةً لتزيين المكتبات والخزائن وقطع الأثاث. [8]
ازدهار الفن في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر
في القرن الثامن عشر، اجتاح الديكوباج قصور أوروبا من باريس إلى لندن إلى فيينا. لم يكن هواية الحرفيين فحسب، بل صار تسلية المحاكم الملكية. يُروى أن ماري أنطوانيت ومدام دو بومبادور كنّ يقضين ساعات في قصّ الصور ولصقها. [9] وفي إنجلترا، أصدر الطابع روبرت سيير عام 1760 كتابًا بعنوان “تسلية السيدات أو فن اليابان بأسلوب سهل” يحتوي على 1500 رسم مع تعليمات مفصّلة للقصّ والتلوين والتورنيش. [10]
الأسطح التي يُستعمل عليها الفن توسّعت توسّعًا لافتًا: الأثاث، الصناديق، الشاشات الزخرفية، أدوات الزينة، المراوح. ويستعمل فن الديكوباج على الزجاج أيضًا بأسلوب خاص يستدعي مواد لاصقة شفافة وطبقات ورنيش مقاوِمة، مما يُضفي على القطع الزجاجية طابعًا بصريًا مميزًا وعمقًا لونيًا استثنائيًا.
ماري ديلاني: المرأة التي أدهشت بريطانيا
لا يكتمل حديث عن تاريخ الديكوباج دون ذكر ماري ديلاني (1700 – 1788)، المرأة الإنجليزية التي أعادت اختراع هذا الفن بأسلوبها الخاص. في عمر الحادية والسبعين، بدأت ديلاني قصّ ورق الأنسجة الرقيق وتلوينه يدويًا لتُنتج رسومات نباتية بالغة الدقة العلمية والجمال البصري. [11] أنجزت قبل أن يخذلها بصرها في عمر الثامنة والثمانين ما يزيد على 1700 قطعة، أسمتها “فسيفساء الورق”، وهي محفوظة حتى اليوم في المتحف البريطاني. [12]
الديكوباج في العصر الحديث
في القرن العشرين خفتت جذوة الفن نسبيًا، ثم عادت في التسعينيات بقوة مع موجة إعادة تدوير الأثاث (Upcycling) وانتشار مواد لاصقة جاهزة كـ Mod Podge. [13] اليوم يشهد الديكوباج انتعاشًا غير مسبوق عبر منصات مثل Pinterest وYouTube وInstagram، وقد تجاوز حدود الأثاث ليشمل المجوهرات، الملابس، الإكسسوارات، وحتى الجدران.
ما جعله يصمد لآلاف السنين بسيط: لا يحتاج إلى موهبة فطرية استثنائية، بل يحتاج إلى صبر، وذوق، وقصّاصة ورق. [14]
خلاصة القول
إذا أردنا الإجابة عن سؤال “أول من استعمل فن الديكوباج” بشكل موضوعي، فإن الجواب يتدرّج: البداية كانت مع قبائل سيبيريا الرُّحَّل قبل الميلاد، ثم طوّره الحرفيون الصينيون في القرن الثاني عشر بإضافة الورنيش والطبقات المتعددة، فيما صاغ له الأوروبيون في القرن السابع عشر شكله الاحترافي والاسم الفرنسي الذي ما زال يُعرف به حتى اليوم. هذا الفن ليس ملكًا لحضارة واحدة، بل هو نتاج رحلة إنسانية طويلة عبرت القارات والقرون.

