أول بلد استخدم عبارة “صنع في”

كتابة A آخر تحديث: 13 أبريل 2020 , 09:22

الثورة الصناعية في أوروبا

شهدت أوروبا الغربية خلال القرن الثامن عشر نهضة علمية شاملة أدت إلى اختراعات واكتشافات عظيمة الأهمية , والتي ساهمت في مجملها بقيام الثورة الصناعية خلال القرن التاسع عشر. وكان لهذه الثورة الرائدة الأثر البيّن على جوانب الحياة كافة سواء في أوروبا أو خارجها.

قصة صنع في

خلال تلك الفترة الممتدة بين أواخر القرن الثامن عشر وحتى أواخر القرن التاسع عشر لم تكن البضائع والمنتجات تحمل في تفاصيلها اسم البلد الذي تمّ إنتاجها فيه. فالبضائع تنتقل بين البلدان عبر التجار وهم فقط من كان يعرف أسماء البلدان المنتجة لبضائعهم. وفي تلك الآونة بدأت الدول الأوروبية تحذو حذو بريطانيا في النهضة الصناعية وكان لألمانيا حظّاً وافراً في ازدهار صناعتها وبدأت منتجاتها تغزو بريطانيا وازداد رواجها بين البريطانيين لجودتها وانخفاض ثمنها.

في البداية كانت المنتجات بسيطة مثل بعض أنواع السكاكين والمقصات وبعدها تطورت إلى منتجات أكثر تعقيداً, ومع مرور الوقت بدأت المنتجات الألمانية تطغى على الأذواق البريطانية فتنال إعجابها أكثر وأكثر. وأصبحت هذه المنتجات الألمانية تؤثر على الاقتصاد البريطاني مما دفع المسؤولين البريطانيين إلى التفكير في حلّ يضع حدّاً لهذه المنتجات الألمانية. وبعد تفكير وبحث طويلين عن الحل السحري لهذه المعضلة الاقتصادية , جاءت فكرة ” صُنِعَ في” , التي حسبها البريطانيون نافعة , فقرروا في 23 أغسطس من عام 1887م طباعة عبارة “صُنِعَ في ألمانيا” على المنتجات الألمانية التي كانت تدخل بريطانيا وكان الهدف أن يعرف البريطانيون أنّ هذه المنتجات ليست بريطانية فيمتنعوا عن شرائها كونها لا تصل لجودة المنتجات البريطانية. وهنا كانت المفاجأة الكبرى فازداد الطلب على المنتجات الألمانية في بريطانيا حتى وصل حدّاً غير مسبوق. وبذلك أصبح عبارة “صُنِعَ في ألمانيا” علامة على الجودة العالية والثمن المنافس. [2]

وبعد ذلك بدأ بقية الدول تستعمل عبارة ” صُنِعَ في” على منتجاتها لتميزها عن غيرها من المنتجات. وكان لهذه العبارة تأثير بالغ في قرار الشراء لدى الزبائن , فبعض المنتجات لا يتردد الزبون بشرائها فقط لأنها مصنوعة في دولة ما وبعضها الآخر لا يفكر أبدا في شرائها كونها مصنوعة في بلد آخر.

الصناعة في بريطانيا

خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر كان لبريطانيا السبق والريادة في تحقيق النهضة الصناعية وتمثّل ذلك من خلال اختراعات جديدة غيّرت معالم الحياة في وقتها. وكانت الآلة البخارية من أهم الاختراعات التي أثرت وبشكل جليّ وقويّ على مكننة الصناعة بشكل كبير , مما أدى إلى ازدياد قوّة بريطانيا الاقتصاديّة وتوسّع تجارتها في مستعمراتها المترامية الأطراف. [1]

صنع في ألمانيا

أدت الحرب إلى انخفاض العمالة الصناعية في ألمانيا الغربية ، لكن صناعة ألمانيا الغربية استفادت من رغبة البنوك في الاستثمار في تطوير صناعتها ، حيث تحتل الصناعات الألمانية مكانة عالمية بارزة وهي مطلوبة بشكل كبير في الأسواق العالمية ، حيث تعد ألمانيا واحدة من أكبر منتجي الصلب في العالم. كما يشمل العديد من الصناعات الكبيرة الأخرى ، وأهمها الهندسة والسيارات والإلكترونيات والكيماويات.

كانت ألمانيا على قائمة مصنعي المعدات الكهربائية منذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادي. ساعد اكتشاف الأصباغ الصناعية في نهاية القرن التاسع عشر ألمانيا على أن تصبح واحدة من الدول الرائدة في إنتاج المواد الكيميائية وتتركز معظم الصناعات الكيميائية في ألمانيا الغربية على طول نهر الراين والمصانع نشطة. صناعة البصريات والنسيج ، ولكن تم إغلاق العديد من مصانع المنسوجات في ألمانيا الشرقية بعد التقسيم الألماني ، حيث انخفض التوظيف في هذا القطاع بنحو تسعة أعشار. وعلى الرغم من حقيقة أنّ الثورة الصناعية جاءت متأخرة إلى ألمانيا ، لكنها غيرت الاقتصاد بسرعة مذهلة بمجرد أن حدث ذلك.

أكبر الصناعات الألمانية

وفي هذه الأيام تعتبر صناعة الهندسة والسيارات والملاحة الجوية واحدة من أكبر الصناعات الألمانية ، حيث يوفر هذا القطاع العمل لأكثر من 6419 موظفًا. في عام 2015 ، وصلت الأرباح في هذا القطاع إلى ما يقرب من 267 مليار دولار ، وفي هذا الصدد ، تم الاعتراف بألمانيا كرائدة في قطاع تصنيع السيارات الأوروبي.

يدرك الكثير من الناس في جميع أنحاء العالم الطبيعة المبتكرة والدقيقة لمصنعي وموردي السيارات الألمان. يقدّر الناس في جميع أنحاء العالم المنتجات الألمانية مثل BMW و Daimler-Benz و Volkswagen للتصميم الممتاز والابتكار والسلامة والتصميم. على مدى 133 عامًا الماضية ، طورت ألمانيا أبحاثاً عالية الجودة واستثمرت في القوى العاملة المؤهلة والبنية التحتية المسؤولة عن صناعة السيارات التي لا مثيل لها.

وعلى صعيد الصناعات الكيميائية , تمتلك ألمانيا بنية تحتية متطورة لتطوير المواد الكيميائية وتطويرها. ينتج نظام التعليم في البلاد أيضًا خريجين جيدين مستعدين للعمل ، مما يوفر بيئة غنية وقابلة للتسويق للمستثمرين الكيميائيين. في عام 2016 ، كانت ألمانيا ثالث أكبر شركة كيميائية بعد الصين والولايات المتحدة (168 مليار دولار).

وبالنسبة لصناعة المعدات الطبية والمستحضرات الصيدلانية , تعتبر هذه الصناعة في ألمانيا أهم الصادرات وتقدم للبلاد سنوياً مليارات الدولارات . وتشمل هذه المنتجات: الإمدادات الطبية ومعدات الإنقاذ ومعدات المستشفيات الأخرى.

كما تتميز ألمانيا بامتلاكها الريادة في مجال إنتاج الطاقة الخضراء والتكنولوجيا البيئية. بالإضافة إلى ذلك ، يتم تحويل الطاقة التقليدية باستمرار إلى طاقة متجددة. و بحلول عام 2050 ، تهدف ألمانيا إلى تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بنسبة 80٪ وزيادة استخدام الطاقة المتجددة بنسبة 60٪. كما تستثمر الدولة في الرياح البحرية والطاقة الشمسية والطاقة الحيوية والفولتية الضوئية وشبكات الطاقة ومشاريع تخزين الطاقة. كما تمتلك ألمانيا حاليًا أكبر سعة لتوليد الكهرباء في أوروبا ، حوالي 200 جيجا وات. إن موقع ألمانيا المركزي في أوروبا يجعلها مكاناً مثالياً لتجميع طاقة الرياح في البر والبحر ، وبالتالي فهي توفر فرصًا كبيرة لشركات طاقة الرياح في جميع أنحاء العالم. وقد بلغ إجمالي طاقة الرياح في عام 2016 45 جيجاوات. تلعب الطاقة الشمسية أيضًا دورًا مهمًا في إمدادات الطاقة المستدامة. تدعم الطاقة الشمسية في ألمانيا إنتاج الكهرباء والتدفئة. توفر الدولة الحوافز والبنية التحتية وبيئة جيدة للاستثمار في الخلايا الكهروضوئية وتخزين الطاقة. في عام 2014 ، استثمرت ألمانيا 2.3 مليار يورو في المعدات الكهروضوئية الجديدة. وهناك قطاع آخر ,يندرج تحت استثمار الطاقات المتجددة , تستثمره ألمانيا بشكل كبير ألا وهو السيارات الكهربائية والبنية التحتية للشحن.

أكبر صناعة إلكترونية في العالم

وتمتلك ألمانيا خامس أكبر صناعة إلكترونية في العالم ، حيث تبلغ قيمتها السوقية السنوية حوالي 142.7 مليار دولار. تحتوي هذه الصناعة على مجموعة واسعة من المنتجات مثل الأجهزة المنزلية ومعدات تكنولوجيا النانو والإضاءة التجارية وأنظمة الأتمتة والتركيبات وغيرها من المنتجات. وتوظف هذه الصناعة 29 ٪ من جميع موظفي البحث والتطوير في ألمانيا ولديها أكثر من 12000 براءة اختراع جديدة سنويًا. وفي مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ، تمتلك البلاد أكبر سوق من نوعها في أوروبا. ويواصل الشباب في ألمانيا ، وخاصة الخريجين الجدد ، قيادة صناعة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من خلال توفير الحلول التي لا تنقذ الصناعة فحسب ، بل توفر أيضًا حلول مبدعة لدعم الدولة لتقديم أفضل الخدمات. [3]

وهكذا نرى اليوم كيف أصبحت عبارة “صُنِعَ في ألمانيا ” , منذ ولادتها , دليل على الجودة العالية والأداء المتميز بعد أن وضعت من قبل البريطانيين للتقليل من شأن الصناعات الألمانية وذلك منذ أكثر من 130 عاماً من الإرادة الفولاذية لتحقيق التميز والفخامة الألمانية العريقة.

الوسوم
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق